عشرون عاماً من الصمت

لمحة نيوز

جريت نحوها وأمسكت بكتفها قائلاً بخوف: "خير يا حجة؟ مالك؟ بنتك جوه وحصلها حاجة؟"
نظرت إليّ وعيناها تفيضان بالدموع والذعر وقالت بنبرة مرتجفة: "في حاجة مش طبيعية بتحصل هنا.. الغرفة دي مش مظبوطة". خطوت خطوة إلى الداخل لأستطلع الأمر، فوجدت الغرفة شبه معتمة، والسرير الطبي يقع في المنتصف وهو فارغ تماماً من أي مريض، لكن الصدمة كانت على الأرض؛ حيث تناثرت محتويات حقيبة يد حريمية مفتوحة، وبجوارها طرحة بيضاء ملطخة ببقع دماء حديثة، وهناك صوت رنين مكتوم يصدر من هاتف محمول ملقى تحت السرير.
صرخت السيدة بصوت مبحوح: "دي شنطة بنتي وطرحتها! أنا عارفاهم كويس!". انحنيت سريعاً على ركبتي ومددت يدي لألتقط الهاتف المحمول من أسفل السرير، وعندما قلبته وضغطت على الشاشة لأرى من المتصل، تجمدت الدماء في عروقي؛ لم يكن هناك اتصال جاري، بل كانت الشاشة تعرض رسالة نصية مفتوحة أُرسلت للتو من رقم البنت، ومكتوب فيها: "ماما.. لو وصلتي المستشفى ما تدخليش الأوضة لوحدك.. أرجوكي!".
بينما

أنا واقف مصدوم وممسك بالهاتف، سمعنا فجأة صوتاً حاداً وخفيفاً خلفنا؛ التفتنا برعب لنجد أن باب الغرفة الثقيل قد أُغلق علينا تماماً بهدوء شديد من الخارج، وتحرك القفل ليعلن احتجازنا. ركضت نحو الباب وبدأت أضرب عليه بقبضتي بكل قوتي صارخاً: "افتحوا الباب! في حد بره؟ افتحوا!" لكن لم يكن هناك أي مجيب سوى الصدى. وفجأة، انقطع صوت ضربي على الباب عندما بدأ هاتف البنت الذي في يدي يعرض تسجيلاً صوتياً تلقائياً، واشتغل بصوت فتاة تبكي وتتألم وتقول: "الراجل اللي ساعدك يا ماما وجابك لحد هنا مش غريب.. هو السبب في كل اللي جرى لنا.. هو السر اللي بندور عليه".
التفتت إليّ السيدة العجوز بنظرة صدمة وعداء، وتراجعت إلى الخلف وهي تتنفس بصعوبة كأنها ترى قاتل ابنتها أممها. تملكني الرعب والذهول وبدأت أقسم لها بأغلظ الأيمان وأنا أرتجف: "والله العظيم يا حجة أنا أول مرة أشوفك ولا أعرف بنتك ولا عمري أذيت حد! أنا مجرد فاعل خير ساعدتك في الشارع!". لكن قبل أن أكمل كلماتي، سمعنا صوت
خطوات هادئة ومنتظمة تقترب من خلف الستارة الطبية الكبيرة التي تفصل الجزء الخلفي من الغرفة.
حبسنا أنفاسنا، وتحركت الستارة ببطء شديد ليظهر من خلفها رجل في أواخر الخمسينات من عمره، يرتدي بالطو طبيب أبيض، وتظهر على ملامحه برودة مرعبة، وكان يحمل في يده ملفاً ورقياً قديماً متهالكاً ومربوطاً بخيط. نظر إليّ مباشرة وابتسم ابتسامة غامضة مليئة بالأسى والتشفي في آن واحد، ثم قال بصوت بارد وهادئ زلزل أركان الغرفة: "أخيراً جيت يا مصطفى.. أختك مستنياك هنا من عشرين سنة.. كنت عارف إن القدر هيجيبك لحد عندي".
تراجعت خطوة إلى الخلف وشعرت أن قلبي يتوقف عن النبض، ودارت الدنيا بي. قلت بنبرة متقطعة: "أخت مين؟ أنا وحيد.. أمي الله يرحمها طول عمرها مأكدة لي إني ماليش إخوات في الدنيا دي!". لم يتكلم الدكتور، بل فتح الملف القديم بسكون، وسحب منه صورة فوتوغرافية صغيرة قديمة وباهتة الأطراف، ورماها على السرير الفارغ أمامي. اقتربت ببطء شديد والندى البارد يغطي جبيني، والتقطت الصورة.

كانت الصدمة التي هزت كياني بالكامل؛ الصورة كانت لي وأنا طفل صغير لا يتعدى عمره الخمس سنوات، وأقف مبتسماً بجانب طفلة صغيرة تشبه تماماً ملامح السيدة العجوز وملامح الفتاة التي نبحث عنها. نظرت إلى السيدة العجوز فوجدتها تبكي بنحيب صامت وهي تنظر إليّ بذهول. التفتنا معاً إلى الدكتور الذي تابع حديثه وعيناه تشعان بمرارة الماضي قائلاً: "البنت المكسورة اللي جوزها رماها هنا مش بنتها هي بس يا مصطفى.. دي أختك التوأم اللي اتخطفت من المستشفى يوم وفاة أمك الحقيقية في الولادة، والست دي تبقى خالتك اللي ربتها وحمتها طول السنين دي بعد ما هربت بيها عشان تحميها من أهلك، وأمك اللي ربتك وافتكرتها أمك، ما كانتش غير الممرضة اللي ساعدت في تفرقتكم زمان عشان تحرم أبوك منكم.. واليوم، الدايرة قفلت، والكل رجع لمكانه في نفس الأوضة اللي بدأت منها الحكاية". ومنذ تلك اللحظة، تغير مسار حياتي بالكامل وعرفت أن ليل القاهرة لم يكن ساكناً عبثاً، بل كان يخفي وراء صمته حقيقة عمري الضائع.

 

تم نسخ الرابط