عشرون عاماً من الصمت

لمحة نيوز

كانت ليلة دافئة من ليالي القاهرة، والهدوء يفرض سيطرته على الشوارع بعد منتصف الليل بشكل غير معتاد. كنت عائداً إلى منزلي بعد يوم عمل شاق وطويل في المحل الذي أمتلكه، جسدي يطالب بالراحة وعقلي يفكر في تفاصيل اليوم التالي. الشوارع شبه خالية، والإضاءة الخافتة لأعمدة الإنارة تضفي نوعاً من الغموض على المكان، ولم يكن هناك سوى صوت خطواتي المجهدة على الرصيف.
فجأة، ولمح لمحة سريعة، استوقفتني سيدة عجوز ترتدي عباءة سوداء داكنة، يظهر على ملامحها إرهاق شديد كأنها مشت لعدة أيام دون توقف. كانت تمسك في يدها المرتعشة ورقة صغيرة مطوية بعناية. اقتربت مني وبصوت مكسور يملأه الرجاء قالت: "يا بني، أرجوك قولي العنوان ده فين؟ أنا مش من هنا وتايهة". أخذت الورقة منها لأقرأ ما كُتب فيها، وبمجرد أن وقعت عيني على العنوان، نظرت إليها بدهشة وقلت: "يا حجة، إنتِ بعيدة جداً عن المكان ده، اللي كاتبلك العنوان ده وصفهولك غلط خالص".
ارتبكت

السيدة واشتد رعشة يديها، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها وهي تقول: "أنا مش من المحافظة هنا أصلاً، أنا جاية من سفر بعيد لأن بنتي محجوزة في مستشفى حكومي هنا بعد ما جوزها المؤذي ضربها وتبهدلت على إيده. سواق التاكسي اللي ركبت معاه من الموقف استغل إني معرفش الشوارع، ونزلني في أول السكة هنا وسابني ومشي بعد ما أخد فلوسه". شعرت بضيق شديد من تصرف السائق وقلت لها بغضب: "ده ضحك عليكي ورماكي في نص الطريق عشان يخلص منك".
أجهشت السيدة بالبكاء ولم تعد قادرة على تمالك نفسها، فتابعت قائلة: "جوز بنتي راجل ظالم، هو سبب كسرها وتعبها، رماها في المستشفى متبهدلة وهرب، وأنا ماليش غيرها في الدنيا". في تلك اللحظة، لمحت في عينيها نظرة انكسار ذكرتني بأمي الراحلة، وتخيلت لو أن أمي كانت في نفس الموقف ولم يمد لها أحد يد العون. تحركت شهامتي ولم أتردد للحظة، فقلت لها مطمئناً: "ما تزعليش يا حجة ولا تشيلي هم، اعتبريني ابنك وأنا مش هسيبك
إلا والباب مقفول عليكي إنتِ وبنتك".
استبشر وجه السيدة ودعت لي دعوة من أعماق قلبها البسيط، ثم أوقفت تاكسي وركبنا معاً متوجهين إلى المستشفى الحكومي المدون في الورقة. طوال الطريق، لم تتوقف عن شكرى والثناء على أخلاقي، وكانت تردد: "ربنا يكرمك يا مصطفى ويوقفلك ولاد الحلال ويسرلك طريقك". عندما وصلنا إلى المستشفى، حاولت أن تدفع لي أجرة التاكسي لكنني رفضت بشدة وقبلت رأسها قائلاً: "إنتِ في مقام أمي، وده واجبي مش أكتر".
دخلنا من البوابة الرئيسية للاستقبال، وكانت الأجواء مشحونة بالحركة المعتادة للمستشفيات ليلاً. أخرجت السيدة هاتفها المحمول الصغير حاولت الاتصال بابنتها مراراً وتكراراً، لكن الهاتف كان يرن دون أي إجابة. سألتها بقلق: "هي بنتك عندها إيه بالظبط ومحجوزة في قسم إيه؟" فأجابت والدموع في عينيها: "واقعة على إيدها ومكسورة وفي جسمها كدمات كتير من الضرب". خمنت فوراً أنها ستكون في قسم العظام، وتوجهت إلى ممرضة
في الاستقبال سألتها عن مكان القسم، فأخبرتنا أنه يقع في الدور الثالث.
صعدنا بالمصعد القديم إلى الدور الثالث، وبمجرد خروجنا استقبلتنا رائحة المطهرات القوية المخلوطة بأنين المرضى المنبعث من الغرف. كان الممر الطويل يحتوي على عنبرين، أحدهما للنساء والآخر للرجال. بدأت السيدة تدخل كل غرفة وعنبر مخصص للنساء، تتفحص وجوه المريضات بلهفة وخوف، ثم تخرج محبطة وهي تهز رأسها وتقول: "لأ، مش هنا.. مش دي". كل غرفة نمر عليها دون جدوى كانت تزيد من رعبها، وكان وجهها يزداد شحوباً واصفراراً مع كل خطوة نخطوها في ذلك الممر الطويل.
أخيراً، وصلنا إلى الغرفة الأخيرة في نهاية الممر المظلم، كانت الغرفة تبدو معزولة وهادئة بشكل مريب. فتحت السيدة الباب ببطء ودخلت، لكنها فجأة تسمرت في مكانها كأنها أصيبت بصدمة كهربائية أو رأت شيئاً مرعباً فوق الاحتمال. شهقت بصوت عالٍ غطت فمها بيديها المرتعشتين، واتسعت عيناها برعب حقيقي لا يمكن وصفه.
 

تم نسخ الرابط