أقنعها خطيبها أن تسافر إليه تهريبًا عبر البحر
ثم أمسك كتفها بقوة:
“ركزي معي… إذا استسلمتي رح نموت.”
كلما ضربتهم موجة، كان يرفع رأسها فوق الماء قبل رأسه، وكلما بدأت تغيب عن الوعي، يصرخ باسمها حتى تفتح عينيها.
خلع قميصه وربطه حول خصرها مع قطعة خشب صغيرة حتى تبقى طافية، بينما هو كان يسبح بصعوبة شديدة.
بكت نور وهي تقول:
“ليش عم تساعدني لهالدرجة؟ اتركني ونجّي حالك!”
ابتسم رغم التعب وقال:
“يمكن ربنا خلاني هون مشانك.”
ظلّا ساعات طويلة في البحر.
الليل كان لا ينتهي، والموج يضربهما بلا رحمة، وجسد ياسر بدأ ينهار من البرد.
لكن كل مرة كانت نور تستسلم، كان يقول لها:
“لا تموتي… اسمعيني… لا تخليه يربح.”
وفي الفجر لمحا ضوءًا بعيدًا.
سفينة إنقاذ.
بدأ ياسر يلوّح بيده بصعوبة، بينما نور تبكي بشكل هستيري.
وحين اقترب رجال الإنقاذ، كانت نور شبه فاقدة للوعي، أما ياسر فكان بالكاد يتنفس.
سحبوها أولًا، لكنها ظلت تصرخ:
“ياسر! دخيلكم جيبوه!”
وعندما رفعوه أخيرًا، فتح عينيه بصعوبة وهمس لها:
“إذا عشتي… لا ترجعي للرجل اللي رماكِ للبحر بكلمة حب.”
ثم أغلق عينيه.
في المستشفى، بقيت نور يومين بين الحياة والموت.
كلما استفاقت، سألت عن سارة وعن
وفي اليوم الثالث، أعادو لها هاتفها.
كانت يدها ترتجف وهي تفتحه، لكنها تجمدت عندما رأت رسائل سامر.
لم يكن يسأل إن كانت بخير.
لم يكن يسأل إن كانت حية أصلًا.
كل رسائله كانت:
“لا تحكي لأي حدا إني كنت بعرف.”
“إذا سألوك قولي إنك سافرتي لحالك.”
“احذفي المحادثات.”
شعرت بشيء بارد يطعن قلبها.
وبين الرسائل، وجدت تسجيلًا صوتيًا وصلها من رقم غريب قبل الحادث بساعات لكنها لم تنتبه له.
شغّلته…
فسمعت صوت سامر بوضوح وهو يقول لرجل آخر:
“المهم توصل البنت… أما صاحبتها مش فارقة.”
تجمد الدم في عروقها.
كان يتكلم عنها… وعن سارة.
وفي تلك اللحظة أدركت أن الغرق الحقيقي لم يكن في البحر، بل في الرجل الذي كانت مستعدة تترك الدنيا كلها لأجله.
وفي نفس الليلة، دخل ياسر غرفتها.
كان حيًا.
شاحب الوجه، يتحرك على كرسي متحرك، لكن حيًا.
بمجرد أن رأته انفجرت بالبكاء.
ابتسم لها بتعب وقال:
“لسه ما خلص الكابوس.”
ثم أخرج كيسًا بلاستيكيًا مبللًا.
قال:
“لقيته متعلق بيدك وقت الإنقاذ.”
فتحت نور الكيس بارتباك، فوجدت داخله جواز سفر مزور باسمها… وصورة لسامر مع رجل غريب يقف
شعرت أن الأرض تميد بها.
قال ياسر بصوت منخفض:
“سارة قبل الرحلة كانت خايفة… قالتلي إنها اكتشفت شي عن خطيبك.”
رفعت نور رأسها بسرعة:
“شو يعني؟!”
قبل أن يجيب، رن هاتف ياسر.
رقم مجهول.
نظر إليها ثم فتح المكالمة على السماعة.
جاء صوت رجل خشن يقول:
“إذا البنت فتحت الملف… رح تعرف إن خطيبها ما كان ناطرها بألمانيا… كان بايعها قبل ما تركب القارب.”
شهقت نور بقوة.
وأكمل الرجل:
“والباقي موجود بالملف اللي كانت شايلته صاحبتها.”
ثم أُغلقت المكالمة.
نظرت نور إلى ياسر بخوف:
“أي ملف؟ وين سارة؟!”
تنهد ياسر وقال:
“سارة قبل ما ينقلب القارب أعطتني فلاشة صغيرة وقالت إذا صار إلها شي أوصلها إلك.”
مد يده داخل جيبه وأخرج فلاشة معدنية صغيرة.
كانت مبتلة بماء البحر، لكنها سليمة.
أوصلها ياسر بحاسوب المستشفى، وبدأت الملفات تظهر أمامهما.
صور… تحويلات مالية… جوازات مزورة… رسائل بين سامر وشبكة تهريب واتجار بالبشر.
وكان اسم نور بينهم.
شعرت نور بالغثيان وهي تقرأ رسالة كتبها سامر:
“البنت شكلها ممتاز، والأوراق جاهزة، أول ما توصل تنباع للمجموعة بألمانيا.”
صرخت نور وبكت بانهيار.
كل الأحلام،
وفجأة ظهر مقطع فيديو أخير سجلته سارة بهاتفها قبل الرحلة بساعات.
كانت تبكي وتقول:
“نور إذا شفتي هالفيديو، اعرفي إني حاولت أحميكي… سامر مو مثل ما بتفكري… هاد مرتبط بعصابة كبيرة… وأنا سرقت هالملفات حتى نفضحهم… إذا صارلي شي لا تسكتي.”
انهارت نور تمامًا.
أما ياسر، فجلس صامتًا للحظات ثم قال:
“رح نحاربهم.”
وبالفعل، بعد أسابيع طويلة من التحقيقات، ساعدت الملفات الشرطة الأوروبية في كشف شبكة كاملة للاتجار بالبشر.
تم القبض على عدة أشخاص… وكان سامر بينهم.
وعندما رأته نور آخر مرة داخل المحكمة، لم تشعر بأي حب، ولا حتى كره… فقط شعرت أنها نجت من موت كان أسوأ من البحر نفسه.
أما سارة، فلم يتم العثور عليها أبدًا.
لكن نور ظلت تحتفظ بصورتها قرب سريرها، وتقول دائمًا:
“هي اللي أنقذتني… حتى بعد ما اختفت.”
ومع مرور الشهور، بدأت نور تتعافى ببطء.
وكان ياسر دائمًا بجانبها.
ليس كمنقذ فقط… بل كشخص عرف ألمها الحقيقي دون أن تطلب شرحًا.
وفي يوم هادئ، بينما كانا يجلسان قرب البحر نفسه الذي كاد يقتلهما، نظرت له نور وقالت:
“كنت مفكرة البحر هو أخطر شيء بالدنيا.”
ابتسم
“لا… أخطر شيء إنك تعطي قلبك للشخص الغلط.”
سكتت للحظة، ثم أمسكت يده لأول مرة دون خوف.
ولأول مرة منذ سنوات… شعرت أن النجاة ممكنة فعلًا.