سر حماتی الخطیر من حکایات نور محمد
ده غاظني أكتر.
”جوزي شقيان طافح الكوتة، وانتي بتسرقي تعبه ولحمة عياله عشان تخبي ابنك الفاشل هنا؟ في بيتي؟ الناس هتقول علينا إيه يا حاجة؟”
حماتي ماردتش عليا، بس شدت البطانية أكتر على الحاجة اللي في حضنها وكأنها بتحميها بروحي، مش بتحمي نفسها.
بصتلي وعينيها مليانة دموع وقهر السنين، وقالت بصوت واطي ومكسور زي الإزاز:
”لو كشفتي البطانية دي وشوفتي إيه اللي أنا مخبياه وبأكله من لحمي قبل لحمكم يا ندى… هتركعي تحت رجلي تطلبي السماح على كل كلمة قولتيها.”
وقفت مكاني متسمرة، الكلمة نزلت على قلبي زي حتة تلج. إيدي اللي كانت ممدودة عشان تشد البطانية، بدأت تترعش وتتراجع.
بس قبل ما أنطق بحرف، سمعت هبد على السلم. عمر صحي على صوتي العالي وطلع يجري، وشه كان مخطوف وعينيه بتطق شرار.
”في إيه يا ندى؟ بتزعقي لمين؟”
عمر دخل الأوضة، ولما شاف أمه قاعدة على الأرض في المنظر ده، اتصمر. عينه نزلت على القفل المكسور، وبعدين على البطانية اللي حماتي ضاماها لصدرها.
”إيه ده يا أما؟ مخبية إيه؟” صوته كان طالع بالعافية، مزيج بين الخوف والغضب.
حماتي انهارت في
”أبوس إيدك يا عمر ماتبصش.. أبوس إيدك يا ابني استر على أخوك وسيبه يموت في حضني من غير فضايح.”
الكلمة زلزلتنا إحنا الاتنين.
عمر ما استناش، نزل على ركبه وشد البطانية بعنف.
وهنا.. شفت المنظر اللي هيعيش معايا كابوس لحد ما أموت.
اللي كان تحت البطانية ماكانش “حسن” الشاب المستهتر، بتاع المشاكل، اللي طردناه من سنتين وهو بكامل صحته وغروره.
اللي كان تحت البطانية كان ”شبح”.
هيكل عظمي نايم على جنبه، وشه نصه متشوه ومحروق، ورجله اليمين مقطوعة من فوق الركبة، ومتوصلة بقسطرة وأكياس طبية ريحتها تقبض الروح. كان بياخد نفسه بصعوبة كأنه بيطلع في الروح، وعينيه مفتوحة نص فتحة ومش حاسة بالدنيا.
أنا رجعت لورا وصرخت، وعمر حط إيده على بقه ووقع على الأرض وهو بيبص لأخوه ومش مصدق.
”حسن!! إيه اللي وصله لكدة يا أما؟ إزاي ده يحصل وإحنا مانعرفش؟” عمر صرخ بدموع وهو بيحاول يلمس أخوه بس خايف يوجعه.
حماتي رفعت وشها اللي غرقان دموع وبصتلي أنا، نظرة خلتني
”حسن عمل حادثة كبيرة من شهرين على طريق سفر وهو هربان من ناس كان واخد منهم فلوس..”
صوتها كان بيتقطع، ”المستشفى اتصلت بيا، رحت لقيته بين الحياة والموت. الدكاترة قالوا مفيش أمل، أيام ويفارق. بس الناس اللي كان واخد منهم الفلوس كانوا بيدوروا عليه عشان يحبسوه أو يق*تلوه.. ولو كانوا عرفوا إنه هنا، كانوا هيفضحونا ويأذوك يا عمر.”
سكتت لحظة تاخد نفسها، وكملت وهي بتمسح على شعر حسن المتبهدل:
”فاكر يا عمر يوم ما طردته؟ فاكر يمين الطلاق اللي حلفته على مراتك إن لو أخوك ده عتب باب البيت أو صرفت عليه مليم أحمر، هتسيب البيت وتمشي؟.. كنت عايزني أعمل إيه؟ أرمي ضنايا في الشارع يموت لوحده؟ ولا أخليك تكسر يمينك وتخرب بيتك وتدفع الفلوس اللي شقيت فيها طول السنة عشان تسدد ديونه اللي مابتخلصش؟”
بصتلي وقالت بوجع:
”الفلوس اللي اختفت من الدرج يا ندى.. جبت بيها مسكنات ومورفين عشان أخفف عنه وجع الطلوع في الروح. الأكل اللي كنت بطلعه، كنت بحاول أأكلهوله بالعافية، ومكنتش بدوق طعم الزاد عشان حتة مني بتموت قدام عيني.. الكبر اللي بتقولي
كل كلمة قالتها كانت بتضربني زي الكرابيج.
عمر نزل على إيد أمه ورجلها يبوسهم وهو بيعيط بصوت عالي زي الأطفال:
”سامحيني يا أما.. سامحيني إني قسيت عليه وعليكي.. أنا اللي استاهل الدبح مش هو.”
وأنا؟
أنا وقعت على ركبي جنب الباب.. دموعي بتنزل ومفيش كلمة أسف في القاموس ممكن تمسح السواد اللي كان في قلبي. أنا اللي اتهمتها بالسرقة، أنا اللي شكيت في شرفها وأمانتها، أنا اللي استخسرت فيها لقمة الأكل.
في نفس الليلة، وقبل ما شمس يوم عرفة تطلع، “حسن” طلع في الروح وهو في حضن أمه وأخوه.
العيد دخل علينا، بس مادبحناش أضحية.
البيت كله كان متشح بالسواد.. الفلوس اللي عمر حوشها للأضحية، دفعناها في الكفن والدفنة وسداد جزء من ديون حسن عشان ينام مرتاح.
حماتي مابقتش تتكلم معايا كتير بعد اليوم ده.. مش قسوة منها، بس لأن روحها انطفت تماماً بعد ما دفنت ابنها.
وكل يوم بمر فيه من قدام الأوضة اللي فوق السطوح، بشم نفس الريحة، وبفتكر إزاي سوء الظن ممكن
تمت
(الكاتبة: نور محمد)