بدأت ابنتي تطلب مني الإذن لتنام تحت طاولة المطبخ

لمحة نيوز

وكأن وجودي هنا فضيحة يجب إخفاؤها لا النجاة منها. قلت بسرعة
ربما هناك سوء فهم سامي أحيانًا يغضب فقط
قاطعتني بهدوء
وهل أنتِ خائفة منه؟
فتحت فمي لكن الكلمات لم تخرج، لأنني لأول مرة منذ سنوات كنت مضطرة أن أقول الحقيقة بصوت مرتفع نعم.. كنت خائفة. خائفة من صمته أكثر من صراخه، من طريقته حين يقف قرب الباب ويمنعني من الخروج دون أن يلمسني، من نظراته حين تتأخر جنى في النوم، من همسه البارد قرب أذني لا أحد سيصدقك.
خفضت رأسي أخيرًا وهمست
نعم.
لم تبدُ سعاد متفاجئة، كأنها سمعت هذه الإجابة مئات المرات من نساء أخريات، قالت بهدوء
الأطفال لا يصنعون أماكن للاختباء من فراغ يا أمينة.
شعرت بقلبي ينكمش، ثم سألتني
هل لديكِ أهل أو قريبة يمكن أن تذهبي إليها مؤقتًا؟
فكرت طويلًا.. إخوتي بعيدون، وأغلب قريباتي يعتبرن سامي رجلًا مثاليًا؛ الرجل الهادئ المهذب الذي يساعد الجيران ويحفظ أسماء أطفالهم. لكنني تذكرت خالتي أم سيف، أرملة تعيش وحدها في بيت قديم بطرف بغداد، قلت بتردد
ربما خالتي.
أخرجت سعاد دفترًا صغيرًا وبدأت تكتب، ثم قالت
قبل أي شيء، لن تعودي إلى البيت وحدك. سنرافقك أنتِ وجنى مع الشرطة لأخذ أغراضكما وأوراقكما المهمة.
رفعت عيني بقلق
شرطة؟
قالت بهدوء
التسجيلات وحدها لا تكفي لإيقافه
الآن لكنها كافية لفتح بلاغ حماية. والأهم أننا لا نريد أن تبقي وحدك معه بعد اليوم.
شعرت بدوار خفيف.. أنا التي كنت أخاف حتى من صوت المشاكل في الشارع أصبحت فجأة أحتاج الشرطة كي أعود إلى بيتي. وفي تلك اللحظة دخلت جنى إلى غرفة المعلمات. كانت تحتضن حقيبتها بقوة كعادتها، والدمية معلقة من ذراعها بخيوط مرتخية. لاحظت فجأة أن الخياطة في ظهر الدمية مفتوحة قليلًا كأن جنى أغلقتها على عجل قبل المدرسة.
اقتربت مني ببطء وهي تنظر إلى وجهي، ثم سألت بخوف
أنتِ زعلانة مني؟
انهار شيء داخلي فورًا، ركعت أمامها بسرعة واحتضنتها وقلت وأنا أبكي
لا يا روحي أنا زعلانة من نفسي.
وضعت يدها الصغيرة على خدي وهمست
كنت أخاف يقول لك إني كذابة.
أغمضت عيني بقوة. تذكرت كل الأشياء التي تجاهلتها كيف كانت تتجمد حين تسمع صوت مفاتيحه، كيف كانت تنام أحيانًا بحذائها، كيف كانت تخبئ قطع البسكويت داخل حقيبتها. كنت أرى الخوف وأختار تفسيرًا أسهل. شعرت بذنب ثقيل فوق صدري، لكن سعاد قالت بهدوء
المهم أنكِ صدقتها الآن.
في المساء خرجنا برفقة سعاد وشرطي وشرطية. طوال الطريق إلى البيت كنت أشعر بالغثيان. الشارع الذي كنت أعود إليه كل يوم صار يبدو غريبًا فجأة؛ أضيق، أبرد، كأنني أراه للمرة الأولى. وصلنا قبل المغرب بقليل،
وكان الباب مفتوحًا. تبادل الشرطي والشرطية النظرات فورًا قبل الدخول، وحين وصلنا إلى المطبخ توقفت أنفاسي.
كان سامي جالسًا على الكرسي وكأنه ينتظرنا منذ ساعات. أمامَه على الطاولة كانت دمية جنى.. مفتوحة من الخلف، والهاتف القديم في يده. شعرت بجنى تتشبث بملابسي فورًا.
ابتسم سامي عندما رآنا، ابتسامة هادئة أكثر من اللازم، وقال
أخيرًا عدتِ بعقلانية.
تقدمت الشرطية خطوة للأمام وقالت بحزم
السيدة هنا فقط لأخذ أغراضها.
نظر إليها سامي بهدوء مزعج، ثم قال
طبعًا البيت بيتها.
لكن عينيه بقيتا مثبتتين عليّ طوال الوقت، تلك النظرة الباردة التي كانت تجعلني أراجع كل كلمة قبل قولها. رفع الهاتف قليلًا وقال ساخرًا
هذا هو سبب كل هذه المسرحية؟ ثم ضحك بخفة تسجيلات لطفلة خائفة؟
ولأول مرة انتبهت لشيء مهم الخياطة الخلفية للدمية كانت ممزقة بالكامل. فهمت فورًا؛ لقد فتش حقيبة جنى بعد تأخرها في المدرسة ووجد الهاتف. شعرت بالخوف يعود إليّ للحظة، جزء صغير داخلي كاد يصدق طريقة الهادئة المعتادة الطريقة التي كانت تجعلني أشك في نفسي دائمًا. لكنني سمعت صوت تنفس جنى خلفي، التفتُّ إليها.. كانت ترتجف بالكامل وهي تحدق في الهاتف، كأنها ترى شيئًا حيًا بين يديه.
عندها فقط تغيّر شيء داخلي. لم أشعر بالشجاعة،
بل شعرت أن خوفي لم يعد مهمًا. قلت بصوت ثابت للمرة الأولى
سنأخذ أغراضنا ونغادر.
تغير وجهه للحظة قصيرة جدًا، ثم ابتسم مجددًا
إلى أين ستذهبين؟ ومن سيصرف عليكِ؟ أم نسيتِ كيف كانت حياتك قبل أن أتزوجك؟
قديمًا كانت هذه الجملة تكسرني. أما الآن فكل ما كنت أراه هو طفلتي المختبئة تحت الطاولة ليالي كاملة.
قالت سعاد ببرود
رجاءً دع السيدة تجمع أغراضها.
وقف سامي ببطء، ثم اقترب خطوة مني وهمس
فكري جيدًا يا أمينة
لكن الشرطي تدخّل فورًا
ابقَ مكانك.
ساد صمت ثقيل، ثم ضحك سامي بعصبية وقال بصوت أعلى
رائع شرطة داخل بيتي لأن طفلة مدللة تخاف من الظلام.
بدأت الأصوات ترتفع في الممر الخارجي، ورأيت ظلالًا تتحرك قرب الباب المفتوح.. الجيران. كالعادة الناس تحب مشاهدة الكوارث من مسافة آمنة. قالت إحدى الجارات بدهشة مستحيل سامي محترم جدًا. وهزت أخرى رأسها بتردد أكيد في سوء فهم. كنت أعرف تلك النظرات جيدًا؛ نظرات الناس حين يحاولون اختيار الرواية الأسهل الرجل اللطيف أم الطفلة الخائفة؟
وقف سامي قرب الباب كأنه الضحية وقال بحزن مصطنع
والله لا أفهم ماذا يحدث لها. منذ أشهر والبنت تملأ رأس أمها بالأوهام. ثم أشار نحوي أمينة متعبة نفسيًا فقط.
وفي الماضي ربما كنت سأصمت فعلًا. لكن جنى أمسكت يدي فجأة
وهمست
لا تتركيني هنا.
كان صوتها يرتجف لدرجة جعلت الجميع يلتفت
تم نسخ الرابط