قصة حقيقية حدثت في اليمن

لمحة نيوز

في اللحظة التي تجمد فيها فهد مكانه بعد سماع صوت الرجل بالخارج، شعر أن الهواء داخل الحظيرة صار أثقل من الرمل نفسه، وأن كل شيء حوله يتغير بسرعة مرعبة. صوت الريح، ارتجاف الباب الخشبي، أنفاس نورة المتقطعة، وحتى المصباح الزيتي الذي كان يهتز ضوؤه فوق الطاولة، كلها بدت وكأنها تشهد على شيء قديم يخرج من قبره أخيرًا.

قال الرجل من الخارج مرة أخرى بصوت أقوى:
“يا فهد… افتح الباب قبل ما نخسره كلنا.”

قبض فهد على البندقية وهو يصرخ:
“أي واحد يقرب بخطوة بدفنه عند الباب!”

رد صوت آخر وسط العاصفة:
“اسأل البنت عن الورقة الثانية!”

التفت فهد نحو نورة بسرعة، فوجدها تنظر للأرض وكأنها كانت تخشى هذه اللحظة أكثر من خوفها من الرجال أنفسهم.

قال لها بحدة:
“أي ورقة؟”

ترددت قليلًا، ثم مدت يدها داخل عباءتها وأخرجت كيسًا صغيرًا ملفوفًا بقطعة قماش قديمة، وقالت:
“أبوي وصاني ما أعطيها لك إلا إذا سمعت اسم أمك.”

فتح فهد الكيس بيد مرتجفة، فخرجت منه رسالة أقدم

من الأولى، صفراء الحواف، وعليها ختم قديم شبه ممزق.

قرأ السطر الأول… فتغير وجهه بالكامل.

“إلى ابني الحقيقي… فهد سالم السالم.”

تراجع للخلف وكأن أحدهم ضربه في صدره.

حدق في الاسم مرة… ومرتين… ثم رفع عينيه نحو نورة وهو يهمس:
“وش يعني سالم السالم؟”

قالت نورة بصوت مرتعش:
“يعني… أنت مو عولقي.”

شعر فهد أن الأرض تميد تحته، وأن حياته كلها كانت مبنية فوق كذبة ضخمة. اسمه… عائلته… أبوه… كل شيء.

فتح الرسالة بسرعة بينما كانت ضربات الرجال على الباب تزداد عنفًا.

“إذا قرأت هذه الرسالة، فاعلم أنني أخفيت الحقيقة عنك خوفًا عليك. أنت ابن سالم السالم، أخي الذي قُتل ليلة النزاع على الأرض. أمك هربت بك بعد المجزرة، وربيتك باسمنا حتى لا يقتلك رجال العائلة الأخرى. الأرض التي تعيش عليها ليست ملكنا وحدنا، بل نصفها حق لعائلة سالم.”

ارتعشت يدا فهد بقوة.

تذكر أمه… صمتها الطويل… خوفها كلما سمع إطلاق نار بعيد… منعها له من الذهاب للقرية كثيرًا… بكاءها الخفي

كل ليلة.

وفجأة فهم كل شيء.

الرجل الذي رباه لم يكن أباه الحقيقي… بل عمه.

وقبل أن يستوعب الصدمة، دوى صوت رصاصة بالخارج.

ثم صرخ أحد الرجال:
“كسروا الباب!”

قفز فهد فورًا نحو المدخل، وأشار لنورة أن تختبئ خلف أكياس القش. وفي اللحظة التي اندفع فيها الباب نصف فتحة بفعل الضرب، أطلق فهد رصاصة في الهواء جعلت الرجال يتراجعون للحظة.

صرخ:
“والله اللي يدخل بموت هنا!”

رد صوت عجوز من الخارج:
“اسمعني يا ولد سالم! إحنا مو جايين نقتلك!”

تجمد فهد عند سماعه الاسم.

“من قاله؟”

اقترب رجل مسن من الضوء، وجهه مغطى بالغبار، وعيناه حمراوان من الريح، وقال:
“أنا عم نورة… وكنت حاضر يوم مات أبوك الحقيقي.”

رفع فهد البندقية نحوه:
“أنتوا قتلتوه!”

صرخ الرجل:
“لا! اللي قتله واحد من جماعتكم… وأبوك اللي رباك حاول ينقذك.”

سكت الجميع للحظة إلا صوت العاصفة.

ثم قال الرجل العجوز:
“الحقيقة أكبر من اللي تعرفه يا فهد.”

دخل الرجل ببطء بعدما خفّ توتر الرجال قليلًا،

وبقي اثنان فقط عند الباب. أما نورة فكانت تراقب المشهد بعينين ممتلئتين بالخوف والشك.

جلس العجوز قرب النار الصغيرة وقال:
“قبل أربعين سنة كانت الأرض مشتركة بين عائلتنا وعائلتكم. لكن النفط اكتشف تحت الجبل، وصارت الأرض تسوى ملايين. وقتها بدأت الخيانة.”

ابتلع فهد ريقه بصعوبة.

“مين خان؟”

أجاب العجوز:
“واحد من كبار العائلتين… وكان يبي ياخذ الأرض كلها لنفسه.”

“مين هو؟”

صمت الرجل طويلًا قبل أن يقول:
“أبوك اللي رباك.”

شعر فهد وكأن الدنيا توقفت.

“تكذب…”

هز الرجل رأسه:
“لا. أخوك الحقيقي مات طفل، ولما شاف أمك تهرب فيك بعد مقتل أبوك، أخذك ورباك باسم ولده حتى يسيطر على الأرض كاملة. لكنه مع السنين ندم… وعشان كذا كتب الرسائل قبل موته.”

نظر فهد إلى الورقة مرة أخرى، وكل الذكريات بدأت تنهار داخله.

الرجل الذي كان يظنه أبًا… كان سبب كل شيء.

وفجأة، صاحت نورة:
“السيارات!”

التفت الجميع بسرعة نحو الخارج، فرأوا أضواء جديدة تقترب عبر العاصفة.

عبس الرجل العجوز وقال:
“لا… مو جماعتنا.”

ترجل رجال مسلحون من سيارات سوداء، ووقفوا أمام الحظيرة بطريقة مرعبة.

تم نسخ الرابط