مراتي اللي سابتني أنا وولادنا الخمسة من عشر سنين رجعت فجأة

لمحة نيوز

واحدة بس.
عينين ناتالي لمعت
دي هدية عيد الأم؟
مايا قالت
تقريبًا.
وراحت ناحية دولاب المطبخ السفلي المكان اللي العيال كانوا بيخبوا فيه شغل المدرسة والكروت القديمة والحاجات الصغيرة.
طلعت علبة ملفوفة في ورق قديم.
قلبي دق بسرعة لأني عمري ما شفتها قبل كده.
ناتالي خدت العلبة بإيديها الاتنين، وكانت متأكدة إن دي اللحظة اللي عيالها هيثبتوا فيها إنها لسه مهمة بالنسبة لهم.
فتحت الورق ببطء
وفجأة اللون اختفى من وشها.
صرخت
إزاي تجرؤوا؟!
جريت ناحيتها قبل حتى ما أحس إني بتحرك.
فوق العلبة كان فيه كارت بخط مايا مكتوب فيه
امشي إحنا مش محتاجينك.
وتحت الكارت كان فيه صور متقطعة لناتالي، وكروت عيد أم قديمة، بعضها معمول بورق ملون، وبعضها عليه جليتر منتشر في كل حتة، ووردة ورق صغيرة أكيد روزي عملتها وهي لسه صغيرة ومش فاهمة أصلًا مين الست اللي بتعملها لها.
ناتالي بدأت تقلب فيهم بإيديها المرتعشة
إيه ده؟
مايا ردت بهدوء
كل حاجة عملناهالك وإنتِ ما رجعتيش.
أوين قام وقال وهو بيشاور على كارت قديم
ده بتاعي كان عندي سبع سنين.
إيلي رفعت كارت تاني
وأنا كنت كاتبة إني مخبيالك حتة جاتوه.
جون وهي بتعيط قالت
وأنا كنت كاتبة يمكن ماما ترجع السنة الجاية.
وبعدين مايا مسكت آخر كارت وقريته بصوت عالي من غير ما تديهولها
إحنا مبقيناش محتاجين أم.
الكلام وقع في الأوضة تقيل.
قلت
إنتِ
ما سبتيش أنا بس إنتِ سبتي خمس أطفال كانوا بيقفوا عند الشباك مستنيينك لما يفتكروا إني مش واخد بالي.
صوتي اتكسر في آخر كلمة.
همست
أنا أنا ماكنتش أعرف.
أوين رد قبل ما أتكلم
وده أصل المشكلة إنك ما قعدتيش كفاية عشان تعرفي.
جون قالت
إنتِ قلتي إن بابا ماقدرش يدينا حياة كويسة بس هو ادانا كل حاجة من نفسه.
وروزي قالت من ورا أخوها
أنا بحب بابا.
وقتها حطيت إيدي على بقي عشان ما يطلعش مني صوت عيالي ما يستحقوش يسمعوه من أبوهم. الدموع نزلت من عيني والغريب إن اللي كنت حاسه مش وجع بس.
كان فخر.
العيال دي كان عندها ألف سبب يخليها قاسية لكنها طلعت صادقة.
مايا راحت فتحت الباب وقالت
لازم تمشي.
ناتالي بصتلها
مايا يا حبيبتي، ما تعمليش كده.
مايا ردت من غير ما تلين
إنتِ اللي عملتي كده من زمان.
خرجت ورا ناتالي.
عربيتها كانت غالية زي كل حاجة فيها. كانت حضنة العلبة على صدرها وبصتلي بغضب ودموع وقالت
أنا رجعت عشان كنت محتاجاهم.
مش عشان وحشوها ولا عشان بتحبهم.
محتاجاهم.
وبعدين بدأت تحكي عن راجل غني وعدها بالأمان وبعده واحد تاني ووعود اتكسرت وشغل وفلوس خلصت وقالت إنها فاقت أخيرًا، وإنها كانت فاكرة إن العيال بعد كل السنين دي هيفهموا.
سمعتها للآخر.
وبعدين قلت
الأمومة مش حاجة وقت الحاجة يا ناتالي.
بصتلي كأني أنا الظالم.
ومن جوه البيت، أوين نادى
بابا! الأكل برد!

وصوت مايا جه بعده
سيب الغريبة بره وتعالى كل.
ابتسمت وقتها.
مش عشان اليوم كان مضحك لكن لأني فهمت حاجة عيالي فهموها قبلي بسنين
إنهم بطلوا يستنوا أمهم قبل حتى ما أنا أبطل أستناها.
وده كان آخر درس محتاج أتعلمه.
رجعت البيت.
سخنا الأكل تاني.
أوين قطع العيش. إيلي ضحكت روزي بنفس التعبيرات اللي تيتة كانت بتعملها. جون شبكت القربة الكهربا وقالت إن اليوم كله نحس، لكن البطاطس تستاهل. ومايا كانت بتلف بهدوء على السفرة تقدم الأكل للكل.
بعد العشا، روزي طلعت زي ما بتعمل دايمًا لما تبقى مش فاهمة اليوم كان عامل إزاي.
سألتني
إنت زعلان يا بابا؟
بست راسها وقلت
شوية يا حبيبتي.
فكرت شوية وقالت
أنا لأ.
ضحكت وقتها وسط شعرها.
وبعد ما خلصنا المواعين والدنيا هديت، مايا وقفت عند باب المطبخ وقالت
بابا؟
قلت
نعم؟
مايا سكتت شوية، وكانت باصة للأرض كأنها بتحاول ترتب الكلام جواها.
وقالت
إنت عمرك ندمت إنك فضلت عشاننا؟
السؤال نزل عليّ تقيل.
بصيتلها شوية قبل ما أرد.
قلت
كل يوم كنت بتعب بس ولا يوم ندمت.
عينها لمعت بالدموع، بس حاولت تستخبى ورا ابتسامة صغيرة.
قربت مني وقالت
إحنا عارفين.
وبعدين سكتت لحظة وقالت
أنا فاكرة أول سنة بعد ما ماما مشيت كنت بصحى بالليل وألاقيك نايم على الكنبة والبيبي على صدرك، والأنوار مفتوحة، ولسه لابس هدوم الشغل.
ضحكت بخفة وهي بتكمل
كنت فاكرة
إن كل الآباء بيناموا كده.
ضحكت أنا كمان، رغم الوجع اللي شد قلبي.
قالت
ولما كنت بتعملنا ضفاير المدرسة بشكل وحش جدًا.
قلت
أنا اتحسنت بعد كده.
هزت راسها وقالت
لا بصراحة لأ.
ضحكنا سوا لأول مرة من ساعة ما ناتالي ظهرت.
وبعدين مايا قربت أكتر وقالت بصوت واطي
إحنا مش ناقصنا أم يا بابا إحنا كان ناقصنا حد يفضل.
الكلمة كسرتني أكتر من أي حاجة حصلت النهارده.
، وهي لأول مرة من سنين رجعت تبان صغيرة في حضني، مش البنت القوية اللي شايلة نص البيت.
بعد شوية، قالت
هي ممكن ترجع تاني؟
تنهدت وقلت
ممكن.
سألت
وإنت هتسمحلها؟
بصيت ناحية الصالة ناحية إخواتها اللي صوتهم طالع من بعيد وهم بيتخانقوا على آخر قطعة جاتوه.
وقلت بهدوء
البيت ده مفتوح للي يحبكم بجد مش للي يفتكركم لما يبقى لوحده.
مايا هزت راسها كأنها كانت محتاجة تسمع الجملة دي من زمان.
وفي الليلة دي، بعد ما الكل نام، دخلت أوضة روزي أغطيها.
لقيتها صاحية.
بصتلي وقالت
بابا؟
قلت
نعم يا قلب بابا؟
قالت
هي الست دي كانت فعلًا ماما؟
الكلمة علقت في زوري.
قعدت جنبها وقلت
آه.
فكرت شوية، وبعدين سألت
طب ليه ما حضنتنيش زيك؟
حسيت قلبي بيتعور بصمت.
لكن ابتسمت ومسحت على شعرها وقلت
مش كل الناس تعرف تحب صح يا روزي.
لفت إيديها الصغيرة حوالين رقبتي وقالت وهي مغمضة عينيها
كويس إنك إنت عرفت.
وفضلت قاعد جنبها لحد ما نامت.

وفي اللحظة دي فهمت إن ناتالي لما سابتنا من عشر سنين، كانت فاكرة إنها ضيعت عيلة.
لكن الحقيقة؟
العيلة الحقيقية بدأت بعد ما مشيت.

تم نسخ الرابط