مراتي اللي سابتني أنا وولادنا الخمسة من عشر سنين رجعت فجأة
من عشر سنين، مراتي قالت إنها نازلة تجيب لبن، وسابتني مع خمس عيال، فيهم بيبي لسه ريحته بودرة الأطفال واللبن الصناعي. وما رجعتش أبدًا. وفي عيد الأم السنة دي، خبطت على باب البيت كأنها كانت غايبة كام ساعة بس واللي عملته بنتي الكبيرة يومها عمري ما هنساه.
كنت واقف في قسم الحاجات النسائي في السوبر ماركت، ماسك علبة فوط صحية، وبحاول أفتكر مايا قالتلي إيه النوع اللي بيناسب أخواتها أكتر.
كان قدامي في الطابور مراهقة وأمها. البنت كانت مكسوفة جدًا ووشها أحمر. أمها قربت منها وقالتلها كلمتين بهدوء، والبنت ابتسمت. بصيت على السلة اللي في إيدي وفكرت المفروض ناتالي هي اللي كانت تعلم بناتنا الحاجات دي.
بنتي التالتة جون كانت أول مرة تيجي لها الدورة الصبح ده.
وكنت واقف هناك ماسك علبة الفوط.
عملت الموقف ده قبل كده مع مايا، وبعدها مع إيلي، فبقيت حافظ المطلوب. فوط، شوكولاتة، مسكن، حاجة دافية، حاجة مسكرة، وتمثيل إن الموضوع عادي جدًا.
الكاشيرة بصت للسلة وبعدين ليا وقالت
أول مرة؟
رديت
تالت بنت.
رفعت علبة حلويات صغيرة وقالت
دي بتساعد مع المغص ويمكن كمان قربة سخنة.
حطيتهم في السلة من غير نقاش.
ساعتها كنت اتعودت على الطريقة الهادية اللي الناس الغريبة بتفهم بيها حياتي.
أب لوحده خمس عيال ومفيش أم.
الحسبة كانت واضحة. لكن محدش فيهم كان يعرف أول ليلة حقيقية بعد ما ناتالي مشيت اللي قالت فيها إنها هتغيب ربع ساعة، وسابتني واقف في المطبخ شايل البيبي، وأربع أطفال بيسألوا ماما هترجع إمتى؟
من عشر سنين، ناتالي سابت البيت عصر يوم أربع.
باسِت البيبي في راسها، خدت شنطتها، وقالت إنها نازلة
عدى ربع ساعة بعدين نص ساعة بعدين ساعة كاملة.
فضلت أتصل بيها لحد ما الموبايل بقى صامت. بعدين دخلت أوضتنا أجيب الجاكت وهناك شفت الحقيقة.
الدولاب كان فاضي بشكل واضح.
الفساتين الحلوة اختفت. الشنطة الكبيرة اختفت. الدرج اللي كانت مخبية فيه الفلوس كان فاضي.
كل حاجة كانت مترتبلها.
قعدت على السرير وعيطت بهدوء عشان العيال كانوا في الأوضة اللي جنبنا.
مايا وقفت عند الباب وقالت
بابا ماما راحت فين؟
قلت
لسه مش عارف يا حبيبتي.
ولفترة طويلة فعلًا ماكنتش عارف. لكن بعدين الناس بدأت تتكلم. ناتالي اتشافت . هدوم جديدة، مطاعم غالية، مدينة جديدة.
بطلت أسأل، لأن الكلام ماكنش هيغير حاجة من اللي مستنيني في البيت. أمي نقلت تعيش معانا بعد تلات أيام ودي كانت الطريقة الوحيدة اللي نجينا بيها.
في ليالي كتير، بعد ما العيال يناموا، كنت أقعد لوحدي في أوضة الغسيل بس عشان محدش يسمعني وأنا بعيط.
اشتغلت تلات شغلانات في أول كام سنة. وردية مخزن الصبح، توصيل بعد الضهر، وحسابات لشركة سباكة بالليل، والشغلانة الأخيرة كانت بتدفعلي تعب أكتر من الفلوس.
أمي كانت بتحافظ على البيت عايش، وأنا كنت بحافظ على النور ما يقطعش. ولما ماتت من سنتين، حسيت إني خسرت الشخص الوحيد اللي كان شايل العيلة كلها بعنده وقوايم طلبات السوبر ماركت.
لكن رغم كده، بنينا حاجة تخصنا.
مش كاملة ومش سهلة لكنها كانت بتاعتنا.
مايا كبرت وبقت من النوع
وده نوع ثقة محدش يستحقه كامل. الآباء بيستلفوه بس ويحاولوا ما يضيعهوش.
العيال قابلوني على الباب لما رجعت من السوبر ماركت. روزي خطفت الشيبسي الأول. جون سألتني لو افتكرت الشوكولاتة. مايا أخدت علبة الفوط بهدوء، بالطريقة اللي دايمًا بتتعامل بيها مع إحراج أخواتها.
دي كانت حياتنا.
بسيطة زحمة وصوتها عالي بطريقة حلوة.
على العشا يوم السبت، أوين سألني
إحنا لسه هنروح المقابر بكرة نزور تيتة قبل الغدا؟
قلت
بعد الكنيسة.
روزي بصت بقرف لرغيف اللحمة، وبعدها أكلت اتنين. جون أعلنت إن الدورة الشهرية نصباية. إيلي قالتلها تبطل دراما، فجون فكرتها إنها أول مرة جاتلها فضلت تعيط بسبب بطاطساية. مايا ضحكت لدرجة اللبن طلع من مناخيرها، وساعتها كلنا انفجرنا ضحك.
بصيت حواليّ على السفرة، وجالي الإحساس اللي محدش بيجهز أي أب له اللحظة اللي صدرك يوجعك فيها شوية لأن الناس اللي قدامك هما حياتك كلها وإنت مرهق جدًا ومحظوظ جدًا في نفس الوقت.
يوم الحد، رحنا المقابر، ورجعنا سخنا الأكل البايت، ودعينا، وقعدنا ناكل غدا عيد الأم اللي كان في الحقيقة عن أمي أكتر من الست اللي سابت عيالي.
وفجأة الجرس رن.
قمت أفتح الباب.
وأول ما فتحته، النفس اتسحب من جوايا.
ناتالي كانت واقفة قدام البيت لابسة كأن عندها معاد أحسن مننا قبل ما تيجي.
جزمة شيك. معطف
ثانية واحدة بس، ومخي رفض يربط الست اللي قدامي بالست اللي سابت خمس أطفال وما سألتش حتى إذا كانوا لسه بيصحوا من كوابيس بالليل ولا لأ.
دخلت البيت من غير ما تستنى إذن، وراحت على السفرة. العيال اتجمدوا مكانهم. روزي استخبت ورا أوين من غير ما تفهم ليه بس حاسة بالخطر.
ناتالي بدأت تعيط فورًا.
عياط عالي واستعراضي.
قالت
وحشتوني أوي.
ولا حد اتحرك.
وبعدين بصت للعيال وقالت الجملة اللي ولعت الدم جوايا
أنا اضطرّيت أمشي بسبب أبوكم ماكانش بيكسب كفاية عشان يديكم حياة كويسة.
شفت الحيرة على وشوش البنات الصغيرين.
وناتالي فضلت تبني نسخة جديدة من الحكاية قدامهم. قالت إنها كانت هتغيب شوية بس. وإنها ضحت واتغيرت.
وفي نفس الوقت كانت عينيها بتلف في البيت الستاير القديمة، الدواليب المتصلحة، الأكل على السفرة كانت باصة لحياتنا بقرف واضح.
روزي مسكت إيد أوين ودي كانت كفاية تكسرني.
ناتالي قربت منها وقالت
يا حبيبتي دي ماما. وحشتيني أوي.
روزي بصتلي أنا مش ليها.
سألتها
إنتِ جاية ليه؟
مسحت دموعها وقالت
عشان أنا جاهزة أرجع جزء من العيلة.
قلت
العيلة اللي سبتيها بالحفاضات والإيجار والتلاجة الفاضية؟
ما اتهزتش حتى.
قالت
أقدر أوفر لهم كل حاجة دلوقتي يا ناثان هما يستحقوا أكتر من كده.
وأشارت على البيت.
كنت هقولها تطلع بره لكن قبل ما أتكلم، مايا قامت.
قالت
بابا
وسكت.
بصت لناتالي من غير خوف ولا حنان. لكن ناتالي فهمت النظرة غلط وابتسمت وسط دموعها.
قالت
كنت عارفة إنك هتفهميني يا حبيبتي.
ولمست خدها.
مايا قالت بهدوء
يا ماما إحنا حلمنا باللحظة دي عشر سنين. وكنا