كان قد حُكم عليه بالإعدام
كان قد حُكم عليه بالسَّجن المؤبد في جريمة لم يرتكبها. وقبل أن يُقتاد إلى السجن، طلب أن يحمل طفله حديث الولادة لدقيقة واحدة فقط لكن ما فعله وهو يحتضن الرضيع صدم قاعة المحكمة بأكملها وحتى أحد كبار رجال الأعمال.
كان الصمت في قاعة المحكمة رقم 7 بمدينة القاهرة خانقًا، وكأنه يجثم على الصدور. وقف أحمد شريف، شاب في الثامنة والعشرين، أمام القاضي. كانت القيود تضغط على معصميه، وملابس السجن البرتقالية مهترئة، ووجهه يحمل آثار كدمات قديمة وحديثة. شفته مشقوقة، وعينه متورمة لكن نظرته كانت نظرة رجل سُلب منه كل شيء إلا كرامته.
قال القاضي بصوت صارم نظرًا لخطورة الأدلة المقدمة والشهادات التي استمعت إليها المحكمة يُحكم على المتهم أحمد شريف بالسجن المؤبد بتهمة قتل رجل الأعمال كامل الدسوقي. ضرب القاضي بمطرقته. دوّى الصوت كأنه حكم على روح إنسان، لا جسد فقط.
من الخلف، خرجت صرخة ممزقة. كانت سارة زوجته. فتاة لم تتجاوز الرابعة والعشرين، شعرها مبعثر، وعيناها متورمتان من البكاء،
التفت أحمد إليها ببطء وعندما رآها بهذا الشكل تحمل طفلهما انكسر شيء بداخله. لكنه لم يبكِ. وهذا كان أكثر ما أرعب الحاضرين. لأن بعض الآلام لا تخرج دموعًا، بل تبقى في الداخل كالنار المشتعلة.
في الصف الأول، جلس رجل أنيق ببدلة فاخرة محمود الجارحي. رجل أعمال نافذ يظهر أمام الناس كفاعل خير لكن حقيقته شيء آخر تمامًا. شريك القتيل سابقًا ورجل يملك نفوذًا واسعًا في البلد. كان يبتسم ابتسامة باردة كمن يعلم أنه اشترى كل شيء الشهود الشرطة وحتى محامي المتهم. بالنسبة له، لم يكن أحمد إنسانًا بل مجرد ضحية مثالية ليلصق بها جريمة قذرة.
كان القاضي على وشك إنهاء الجلسة حين تحدث أحمد. صوته كان ضعيفًا لكنه وصل للجميع يا سيادة القاضي لو سمحت. التفت الجميع نحوه. ركع أحمد على ركبتيه. ارتطمت القيود بالأرض. وقال مش بطلب حرية ولا رحمة.
توقفت الكاتبة عن الكتابة. وضعت سارة يدها على فمها لتكتم بكاءها. حتى محمود الجارحي اختفت ابتسامته قليلًا. اعترض أحد المحامين المتهم خطر ممكن يستغل الطفل. أغلق أحمد عينيه كأنه استسلم. لكن القاضي نظر إليه طويلًا ثم قال الاعتراض مرفوض له دقيقة واحدة.
تقدمت سارة بخطوات مرتجفة. كانت تحمل الطفل ملفوفًا في بطانية زرقاء تضمه بقوة، وكأن تسليمه يعني اقتلاع قلبها من صدرها. وقفت أمام أحمد. نظرت إليه نظرة وداع كاملة. همست سامحني هز رأسه بهدوء خلي بالك منه.
سلمت الطفل. أخذه أحمد برفق غريب يناقض كل ما قيل عنه. خفض رأسه ونظر لأول مرة إلى وجه ابنه. وتوقف الزمن. كان الطفل نائمًا وجهه صغير جدًا بريء لدرجة مؤلمة. ارتجف أحمد ليس كخائف بل كأب يلمس آخر شيء نقي في حياته. قبّل جبين طفله. ثم بحركة بطيئة جدًا بدأ يعدل البطانية الزرقاء.
لكن لم
قفز محمود واقفًا وهو يصرخ لأ!
لم يرفع أحمد صوته لكن الشيء الذي كان في يده كان يرتجف، وكأنه يعرف أن هذه اللحظة قد تقسم حياة كاملة إلى نصفين لا يمكن جمعهما أبدًا. كان جهازًا صغيرًا أسود اللون بحجم ظفر تقريبًا، وفيه جزء معدني يعكس ضوء المحكمة البارد وكأنه يخفي داخله سرًا أثقل من أن يُحمل.
لم يفهم أحد إلا محمود الجارحي. اختفى اللون من وجهه خلال ثوانٍ، وكأن الدم هرب منه ليختبئ من ماضٍ عاد فجأة دون استئذان. تمتم بصوت ضعيف ده مستحيل لكن صوته لم يكن يحمل أي قوة.
رفع أحمد الجهاز أكثر. وقال ببطء ابني اتولد من سبع أيام وفي نفس اليوم كان في حد بيحاول يمحي كل دليل على اللي حصل بجد. عقد القاضي حاجبيه. تأهب الحراس. أما