سر خطيبة ابني
كنت بطبخ من الظهر في اليوم ده.. فراخ محمرة وبطاطس بالتوم، وفطيرة الليمون بتاعة أمي اللي لسه محتفظة بوصفاتها المكتوبة بخط إيدها في الدرج من ٣٠ سنة.
لما ابنك الوحيد يتصل بيكي ويقولك إنه جايب معاه الست اللي عايز يتجوزها، مش بتطلبي أكل جاهز، لازم تعملي حاجة ليها معنى. كنت عايزة "كلير" تدخل بيت يحسسها بالحب، ومكنتش أعرف أبداً هي داخلة ولابسة إيه.
"ويل" وصل الأول وكان بيضحك زي ما كان بيضحك وهو طفل يوم العيد، و"كلير" دخلت وراه عليا طول.. كانت رقيقة جداً. حضنتهم هما الاتنين وأخدت الجواكت بتاعتهم، ورحت ناحية المطبخ عشان أشوف الفرن.
ولما "كلير" قلعت الشال بتاعها، لفيت وبصيت لها.. السلسلة كانت نازلة تحت رقبتها بالظبط. سلسلة دهب رفيعة فيها دلاية بيضاوية، وفي نصها حجر أخضر غامق، ومتحددة ببرواز رقيق أوي على شكل ورق شجر. إيدي وقتها سندت على حرف الرخامة اللي ورايا من الصدمة.
أنا عارفة درجة اللون الأخضر دي كويس، وعارفة النقشات دي، وعرفت القفل الصغير المستخبي في الجنب اللي بيخليها تتفتح زي البرواز. أنا مسكت السلسلة دي في إيدي في آخر ليلة في حياة أمي، وحطيتها
"دي أنتيكة (قديمة)".. ده اللي "كلير" قالته وهي بتلمس الدلاية لما لاحظت إني مبرقة لها، وسألتني: "عجبتك؟".
رديت بالعافية: "جميلة أوي.. جبتيها منين؟".
قالت لي: "بابا هو اللي إداها لي.. هي معايا من وأنا صغيرة".
مفيش نسخة تانية من السلسلة دي، وعمر ما كان فيه.. طيب إزاي هي لابساها في رقبتها؟
عديت العشا وأنا زي الآلة، وأول ما مشوا، رحت فوراً على دولاب الطرقة وطلعت ألبومات الصور القديمة. أمي كانت لابسة السلسلة دي في كل صورها وهي كبيرة تقريباً. حطيت الصور تحت كشاف المطبخ وفضلت أبص لها كتير.. عينيا مكنتش غلطانة وقت العشا.
الدلاية اللي في كل الصور هي هي اللي كانت في رقبة "كلير". وأنا الشخص الوحيد اللي لسه عايش ويعرف موضوع القفل الصغير اللي في الجنب ده؛ أمي كانت ورتهولي لوحدنا في الصيف اللي تميت فيه ١٢ سنة، وقالت لي إن السلسلة دي "ميراث" في عيلتنا من ٣ أجيال.
والد "كلير" إداها السلسلة وهي صغيرة، وده معناه إنها معاه من ٢٥ سنة على الأقل. بصيت في الساعة كانت ١٠ بالليل، ومسكت تليفوني.. كانوا قالوا لي إن باباها مسافر ومش هيرجع قبل
أخدت رقمه من "كلير" وهي إدتهولي بمنتهى النية الصافية، وافتكرت إني عايزة أتعرف عليه قبل ما كلام الجواز يبقى جد.. وسبتها تفتكر كده. باباها رد من ثالث رنة، عرفته بنفسي إني حماة بنته المستقبلية وكان صوتي هادي ولطيف.
قلت له إني معجبة جداً بسلسلة "كلير" وعندي فضول أعرف تاريخها لأني بهوى تجميع المجوهرات القديمة.. كذبة صغيرة، بس دي أكتر حاجة قدرت أسيطر بيها على الموقف. السكوت اللي سكته قبل ما يرد كان طويل زيادة عن اللزوم.
قال لي: "دي كانت شروة خاصة.. من سنين طويلة، ومش فاكر التفاصيل بالظبط".
سألته: "طيب فاكر اشتريتها من مين؟".
سكت تاني وقال: "بتسألي ليه؟".
قلت له: "مجرد فضول.. أصلها شبه حتة كانت عند عيلتي زمان".
قال لي: "أكيد فيه قطع كتير شبه بعضها.. أنا لازم أقفل دلوقتي"، وقفل السكة قبل ما أنطق بكلمة.
تاني يوم الصبح كلمت "ويل" وقلت له إني محتاجة أشوف "كلير". خليت الكلام عايم وقلت إني عايزة أقعد معاها ونشوف ألبومات صور العيلة سوا. هو صدقني لأنه دايماً بيثق فيا، وحسيت بتأنيب ضمير بسيط إني استغليت ثقته دي.
قابلت "كلير"
جابتها من علبة مجوهراتها وحطتها في كف إيدي. مشيت صباعي على الحرف الشمال لحد ما حسيت بالقفل، في نفس المكان اللي أمي ورتهولي بالظبط. ضغطت عليه بالراحة والبرواز اتفتح.. كان فاضي، بس جوه كان فيه نقش لوردة صغيرة مستحيل أغلط فيه حتى لو في ضلمة كحل.
قفلت إيدي على الدلاية وحسيت بضربات قلبي سريعة جداً.. يا إما ذاكرتي خانتني، يا إما فيه حاجة غلط وكبيرة بتحصل.
في الليلة اللي والد "كلير" رجع فيها، كنت واقفة قدام بابه ومعايا ٣ صور مطبوعة لأمي وهي لابسة السلسلة في سنين مختلفة. حطيت الصور قدامه على التربيزة من غير ولا كلمة وفضلت مراقبة رده فعله. أخد صورة منهم ورجع حطها تاني، وشبك إيديه في بعض كأنه بيحاول يوقف الزمن.
قلت له بلهجة تحذير: "أنا ممكن أروح للبوليس، أو تقولي دلوقتي جبتها منين".
أخد نفس طويل.. النفس اللي بيجي قبل الحقيقة،