خوف قديم وجرح غائر
قالت بصوت واطي: "يا حبيبتي يا 'هنا'.. قلبي كان هيوقف من القلق."
وقفت قدام الباب ومنعتها: "لازم تمشي من هنا."
وشها اتهز للحظة وقالت: "أنا أمها."
* "وأنا الست اللي لقتها مرمية في مصرف."
الحنية المزيفة طارت من عينيها وقالت: "إنتي متعرفيش بنتي.. دي طول عمرها مخها تعبان ومش متزنة."
دي كانت غلطتها. افتكرت إن "الكسوف" لسه هيجيب نتيجة. افتكرت إنها لما توصف "هنا" بإنها ضعيفة ودراما وبتهلوس، الناس هتصدقها زي كل مرة.
بس المرة دي، "هنا" مكنتش لوحدها.
المأمور وصل بعد خمس دقايق. "راوية" كانت سلمت البلاغ والتقرير الطبي والفيديو. "الست هانم" حاولت تضحك وتقول إن فيه "سوء تفاهم"، وإن بنتها مريضة نفسية، وإن العائلات لازم تحل مشاكلها في "الستر".
المأمور بص لها وقال: "إنك ترمي بني آدم
اتقبض عليها بتهمة الاعتداء العنيف والعنف الأسري والهروب من مكان حادثة. البلد كلها اتقلبت، في الأول مكنوش مصدقين، وبعدين بدأت الوشوشة، والناس اللي كانت بتشوف وتسكت بدأت تفتكر. سكرتيرة الجمعية اعترفت إنها شافتها مرة قفلت على بنتها باب الجمعية وسابتها في الشارع عشان "كسفتها" قدام الناس. جار قديم افتكر إنه كان بيسمع صويت وهي عندها 16 سنة. مدرسة قديمة قالت إن "هنا" كانت بتترعش لما أمها تدخل المدرسة.
المحاكمة قعدت تمن شهور.
في الوقت ده، "هنا" كانت بتخف بالراحة. ضلوعها لمّت قبل ثقتها في نفسها. كانت بتصحى ساعات تعتذر لي إنها "تقيلة علينا" وهي في مطبخي. وساعات تصحى بتصرخ وهي فاكرة إن أمها في الطرقة. "ياسين" اتعلم إن الحب
"راوية" ساعدت "هنا" تلاقي دكتورة شاطرة. وأنا اللي كنت بوديها. في أول جلسة كانت هترجع من نص الطريق.
سألتني: "أنا كده ببوظ الدنيا؟"
قلت لها الحقيقة: "إنتي مش بتبوظي حاجة، إنتي بس مابقتيش تقبلي إنك تندفني بالحيا."
في المحكمة، "الست هانم" لبست اللولي بتاعها تاني. بس كان شكلها صغير وضئيل من غير "المنصب" والضحكات اللي كانت بتداري وراها سمّها. المحامي بتاعها حاول يقول إن الفيديو مش واضح، وإن "هنا" بتدعي، وإن العيلة فهمت الحادثة غلط.
وبعدين "هنا" وقفت قدام القاضي.
صوتها في الأول كان بيترعش، بس متكسرش. حكت عن القلم، والمطاردة، والمصرف، والكلام اللي أمها قالته عشان تحسسها إنها ولا حاجة. ولما
المحكمة حكمت عليها بالسجن.
و"هنا" خدت حكم بعدم التعرض هيفضل سنين بعد ما أمها تخرج حتى. مكنش عدل كامل.. مفيش حاجة هترجع لـ "هنا" طفولتها ولا هتمسح ليلة المصرف. بس كان عدل حقيقي، بورق وحكم وقفل باب.
بعد سنة، "هنا" و"ياسين" عزلوا وراحوا القاهرة. قبل ما يمشوا، "هنا" وقفت معايا على المصطبة وماسكة علبة صغيرة. كان فيها السلسلة المقطوعة اللي كانت في المصرف، اتصلحت وركب لها قفل جديد.
قالت لي: "كنت بلبسها زمان عشان هي اللي جابتها لي.. دلوقتي بلبسها عشان أنا نجوت منها."
وأنا فخورة بيها.
أمي علمتنا نطلع الحقيقة للنور.
واليوم ده، وأنا شايفة "هنا" بتبدأ حياتها بجد، فهمت بقية الدرس.
النور مش بس بيكشف الوحوش.. ده كمان بيساعد الناس اللي لسه عايشة