خوف قديم وجرح غائر

لمحة نيوز

أمي، "الست كريمة"، ربت بنتين بطلوع الروح من مهية شغلها في محل خياطة، بس كان عندها ضهر حديد. كان عندها قاعدة واحدة في البيت: "اللي يإذي حد من عيلتنا، متبصش الناحية تانية.. تجيب الدليل، تحمي الضحية، وبعدين تطلع الحقيقة للنور في وش الكل عشان مفيش حد يقدر يدفنها."
وده اللي كان قصدي عليه لما قلت لـ "ياسين" يكلم "راوية".
"راوية" قضت اتنين وعشرين سنة موظفة في السجل المدني والمحكمة قبل ما تطلع معاش. كانت عارفة الأوراق بتتشال فين، وأي باب بيتفتح بسهولة، ومين الناس اللي مش بتقول الحقيقة غير لما يحسوا إن اللي قدامهم عارف نص الحكاية أصلاً.
على نص الليل، كانت "راوية" في المستشفى ومعاها نوتة وقلم، وترمس قهوة، ونفس النظرة الحادة اللي كانت أمي بتبصها لما الوصلات تتراكم علينا.
"هنا" كان عندها تلات ضلوع مكسورة، وارتجاج، وكدمات حوالين رقبتها، وجروح في إيديها وهي بتحاول تدافع عن نفسها.

الدكتور قال إنها كانت محظوظة.. أنا مكنتش حاسة بالحظ، أنا كنت هولع من الغضب.
لما "هنا" فاقت الصبح، كان "ياسين" نايم على الكرسي جنب سريرها وإيده ماسكة إيدها. أنا و"راوية" كنا واقفين جنب الشباك والممرضة بتظبط المحلول.
"هنا" بصت لنا كأنها مستنية حد يلومها.
رحت قلت لها: "احكي من أي حتة تقدري عليها."
الحكاية طلعت حتة حتة.
"الست هانم" كانت مسيطرة على "هنا" من وهي طفلة. كانت بتنقي لها لبسها، وصحابها، والكلية، وحتى اليوم اللي اتجوزت فيه "ياسين". لما "هنا" حملت السنة اللي فاتت وسقطت في الشهر التاني، أمها قالت لها إنها فشلت في الحاجة الوحيدة اللي الستات اتخلقت عشانها. "هنا" محكتش لـ "ياسين" الكلام ده عشان كانت مكسوفة ومكسورة.
ومن فترة قريبة، "هنا" و"ياسين" قرروا ينقلوا القاهرة عشان شغل "ياسين" الجديد. أمها كانت بتبتسم قدام الناس وفي السر كانت بتهيج. قالت لـ "هنا" إنها بتغدر
بيها وبترميها. ولما "هنا" صممت على رأيها، أمها راحت لها البيت في وقت "ياسين" كان فيه سهران في الشغل.
همست "هنا" وهي بتعيط: "كانت عايزة الموبايل بتاعي.. قالت لي عايزة أشوف 'ياسين' ملى دماغك بأي كدب."
"هنا" رفضت، فأمها ضربتها بالقلم وزقتها خبطتها في رخامة المطبخ. "هنا" جريت لبره، بس أمها ركبت عربيتها وطاردتها. وعلى الطريق الزراعي، أمها حدفت عليها بالعربية وخرجتها عن الطريق. "هنا" فاكرة إنها وقعت، وأمها كانت واقفة فوقيها وبتقول لها جملة واحدة:
"إنتي مكنتيش حاجة قبلي، وهتبقي ولا حاجة بعدي."
وبعدين سابتها ومشيت.
"راوية" كتبت كل كلمة، وبعدين سألت سؤال واحد:
* "هي تعرف إن فيه كاميرات قديمة عند شونة الغلال؟"
"هنا" استغربت: "كاميرات إيه؟"
الطريق الزراعي ده كان بيعدي من ورا شونة قديمة تبع عيلة جوز "الست هانم" الله يرحمه، الشونة مقفولة بقالها سنين بس "راوية" كانت عارفة إن المركز
طلب تفريغ كاميراتها قبل كده في واقعة سرقة جاز.
على الظهر، "راوية" كانت كلمت واحد معرفة في المركز. وعلى الساعة تلاتة، الخبر جالنا: فيه كاميرا واحدة لسه شغالة.
التصوير مكنش واضح أوي، بس كان كفاية.
باين فيه "هنا" وهي بتجري، وباين عربية أمها البيضا وهي بتحدف عليها. باين و"هنا" وهي بتختفي في المصرف، وبعدين باين "الست هانم" وهي نازلة من العربية، بتبص عليها، وبتركب وتمشي ببرود.
"ياسين" شاف الفيديو مرة واحدة.. مرة واحدة بس.
وبعدين قام، قلع دبلته وفضل يقلبها في إيده وقال: "أنا الست دي قعدتها على طبلية بيتي وأكلت معانا."
رديت عليه: "ودلوقتي هنقعدها في قفص المحكمة."
"الست هانم" مكنتش متوقعة إن فيه حساب.
وده كان باين من دخلتها المستشفى بعد يومين، لابسة طقم شيك وماسكة بوكيه ورد. بتبتسم للممرضات وبتسأل على أوضة "هنا" بلهفة الأم اللي خايفة على بنتها. حتى طلعت منديل وبدأت تمسح عينيها
لما شافتني في الطرقة.

تم نسخ الرابط