الانتقام
ابني قالي ماتجيش في الكريسماس عشان العشا لعيلة كارلا بس، وأنا واقفة لوحدي في مطبخي، ماسكة مج القهوة في إيد، وفي الإيد التانية مفتاح دهب لقصر على البحر ب 15 مليون دولار. رديت عليه بصوت واطي لدرجة إنه افتكره استسلام، وبعدها قضيت التلات أيام اللي وراهم بجهز لاحتفال ملوكي، حاجة خيالية ومستحيلة يتجاهلوها، لدرجة إن ليلة العيد، الناس اللي طردوني كانوا بيدوروا عليا بلهفة بعد ما اكتشفوا إن المكان اللي كان نفسهم فيه اتنقل من غيرهم...
لما ابني قالي ماتجيش، كنت واقفة في مطبخي ومعايا مج قهوة أبيض مقشر، وفي الإيد التانية ميدالية مفاتيح قصر على البحر تمنه 15 مليون دولار.
السخرية في الموقف خلتني ابتسم قبل حتى ما الوجع يوصل لقلبي.
ماما، ما تجيش السنة دي، ريتشارد قالها في التليفون، وصوته فيه الحزم المفتعل اللي الناس بتستعمله لما يكونوا مرتبين القسوة ومغلفينها بغلاف الواقعية. العشا لعيلة كارلا بس.
لثانية افتكرت إني سمعت غلط. مش عشان الكلام مش واضح، بس عشان لسه في حتة قديمة جوايا كانت عايزة تصدق إن ابني عنده ذرة دم تخليه يتكسف يقول كلام زي ده بصوت عالي.
بصيت من شباك المطبخ. برا، كان ضوء ديسمبر الضعيف رامي بظلاله على جراج العمارة، ومخلي كل حاجة لونها رمادي كئيب.
سألته بصوت هادي جداً يعني إيه لعيلة كارلا بس؟
سكت شوية، سكتة تقيلة ومليانة كلام. في السكتة دي سمعت كل اللي هو مش عايز يقوله. كارلا هي اللي قررت. كارلا هي اللي رتبت. كارلا قالت إن أهلها هيرتاحوا أكتر لو أنا مش موجودة. كارلا أكيد رصت أسبابها بالأسلوب الناعم المقرف بتاعها اللي بتستعمله لما تحب تخلي الطرد يبان إنه ذوق.
ريتشارد نحى صوته كارلا عايزة تعمل حاجة مخصوص السنة دي. إنتي عارفة أهلها.. الموضوع يعني.. رسمي أكتر.. وعائلي أوي.
رسمي أكتر.
كأني بقعة على مفرش السفرة.
عائلي أوي.
كأني ما شيلتوش في بطني تسع شهور، وضيعت 42 سنة من عمري برتب حياتي كلها عشانه.
بصيت لميدالية المفاتيح الدهب في إيدي الشمال، وهي بتلمع في النور الباهت. لسه كنت واخدة الميدالية دي من طبق السيراميك اللي جنب التوستر، ولسه مش مستوعبة إنها بتاعتي. البيت اللي المفتاح ده بيفتحه موجود في أرقى حتة في بالم بيتش، فيه تمان أوض نوم ماستر، صالة سقفها عالي جداً، وحمام سباحة إنفينيتي كأنه بيصب في المحيط الأطلنطي، وكمية رخام عيلة كارلا كلها ما شافتهاش في حياتها.
ومع ذلك، في اللحظة دي، مفيش حاجة من دي خففت الوجع اللي
لأن الفلوس ممكن تحمي كرامتك، بس مش بتموت وجع الأم لما ابنها يتعامل معاها كأنها حمل تقيل بقى مسببله إحراج.
قلتله آه.. تمام.
ريتشارد تردد. كنت متخيلة شكله في مطبخه، بيهرش في قفاه زي ما بيعمل لما يكون مش مرتاح، وعينه بتدور على كارلا عشان تشرعه. يعني.. إنتي فاهمة؟
السؤال ده لخص كل حاجة. كان مستني دموع. مستني تحايل. مستني سكات مكسور. كان فاكر إني هقوله طب أجيب التحلية معايا؟ أو أعدي أشوف جابرييل قبل العشا؟. كان مستعد لنسختي القديمة الست الغلبانة اللي بتصغر نفسها عشان راحة غيرها.
بدل كل ده، صوتي طلع ناعم زي الحرير
مفيش مشكلة يا حبيبي. اتبسطوا.
سكت وهو مذهول.
وبعدين قال بجد؟
مشيت صباعي على ملمس المفتاح البارد طبعاً.
مش زعلانة؟
الجملة دي هي اللي كانت هتخليني أضحك فعلاً.
عشان لسنين، عيلتي افتكروا إن هدوئي ده قلة حيلة. افتكروا إني طالما مش بعترض، يبقى مش واخدة بالي. وطالما مش بحارب، يبقى ماليش سلاح. وبما إني بشتري بالخصومات وعايشة في شقة بسيطة ولبست نفس الفستان الأخضر في أعياد تلات سنين ورا بعض، يبقى أنا أكيد زي ما باين عليا ست وحيدة، سهلة الانقياد، وماليش لازمة.
قلتله بنفس النبرة الهادية لأ خالص. كريسماس سعيد عليكم.
وقبل ما يفوق من صدمته ويحاول
الشقة بقت هس.
وقفت مكاني والقهوة بتبرد في إيدي، بس قلبي كان بيدق بقوة وثبات بدل ما كان مكسور. الوجع لسه موجود طبعاً، زي جرح حي. بس تحت الوجع ده، في حاجة قديمة وقوية بدأت تظهر.
مش غضب.
مش بالظبط.
بصيرة.
من تلات أيام بس، كنت مضيت العقد النهائي لقصر بالم بيتش. قعدت في مكتب خاص مع المحامي والمستشار المالي بتاعي، وكان فيه إزازة شمبانيا في تلج بس ما لمستهاش عشان كنت عايزة أركز في كل كلمة بمضي عليها. مضيت كل صفحة بخط نضيف وهادي، واستلمت المفتاح في إيدي. ما حسيتش إني بشتري بيت، حسيت إني بدخل بوابة لنسخة تانية من نفسي كنت مخبياها لدرجة إنها كادت تبقى أسطورة.
الست دي ما بتشحتش دعوات.
الست دي ما بتقبلش الإهانة من مرات ابن منفوخة فاكرة إن التكبر رقي، ولا من ابن ضعيف مش قادر يواجه مراته وهي بتمارس قسوتها بشياكة وتسميها برستيج.
حطيت مج القهوة وبصيت حواليا في الشقة.
كانت نضيفة، بسيطة، ومملة عن عمد. ستاير بيج. ترابيزة صغيرة جنب الشباك. كرسي وردي كان بتاع والدتي. أرفف عليها روايات وصور متبروزة وتماثيل ملايكة سيراميك مجمعاها بقالي سنين. عيلتي كانوا فاكرين إن الأوض دي هي كل حياتي. عش الأرملة الغلبانة. مكان قايم على التوفير والتعود والاستسلام.
عمرهم ما سألوا نفسهم أنا ليه