افتكرت اللي فات
التكملة
بيت "ست هانم" كان عامل زي الفرن.
الكهرباء لما قطعت، التكييف وقف، وكل الستائر كانت مقفولة عشان تحجب الشمس، فالحرارة اتحبست جوه. الريحة كانت تراب وسجاد قديم وخوف. الكلب "ركس" كان بيلف حوالين رجلي وهو بيهوهو لحد ما صوته اتنبح. "زياد" كان واقع عند عتبة الباب، صاحي بس بينازع عشان ياخد نفسه.
قال لي: "جدتي.. ساعديها هي الأول".
ده كان أول اختبار حقيقي وصعب.
زياد صغير في السن بس مش قادر يتنفس، وهانم ست كبيرة، غايبة عن الوعي، وساكنة سكون يخوف. في سنين تدريسي، كنت بسأل الطلبة: "تنقذ شخص واحد ولا خمسة؟" "هل النتيجة أهم ولا الواجب؟". المناقشات دي كانت بتبان ذكية ومنطقية تحت أنوار قاعة المحاضرات.. بس الحكاية في الحقيقة مفيهاش منطق. الحقيقة هي طفل واقع على الأرض بيترجاني أسيبه وألحق جدته.
طلبت الإسعاف وفتحت
كلمة "لو تقدر" دي كانت هتكسرني.
بللت فوط بمية من المطبخ وحطيت واحدة على رقبة هانم والتانية على صدر زياد. جريت مروحة صغيرة ناحية الكوبس وبعدين افتكرت إن مفيش كهرباء أصلاً. لقيت ازايز مية في المطبخ وسقيت زياد بالعافية، وهو بيشرق في أغلبها.
هانم أنت أنة خفيفة.. الأنة دي كانت بالنسبة لي "أمر عسكري".
حاولت أشيلها، بس ضهري خذلني وركبي ولعت نار. سنين القعدة، والنوم الغلط، والوحدة، والهم، كل ده جه يدفعني التمن في أسوأ لحظة ممكنة. كنت مهمل في جسمي كأنه بيت مهجور، ودلوقتي في روح محبوسة جوه إهمالي
قلت للموظف: "مش قادر أشيلها".
قال لي: "طيب تقدر تسحلها لمكان أبرد؟".
بصيت ناحية البلكونة، الشمس كانت حارقة بره، بس على الأقل كان فيه هوا. زياد وهو على الأرض ساند نفسه على كوعه وقال: "أنا هساعدك".
قلت له: "لأ، خليك مكانك".
بص لي بعيون غرقانة دموع وغضب: "دي هي اللي ربتني".
مفيش رد فلسفي ينفع يتقال في الموقف ده.
بالمشاركة، سحبنا الملاية اللي تحت هانم وبدأنا نشد. زياد كان بيزيق مع كل حركة، كنت عاوزه يوقف بس كنت عارف إن منعه من المساعدة ممكن يكسر نفسه. ساعات حماية الشخص معناها إنك تسيبه يتصرف بكرامة، حتى لو الخوف بيقولك خبيه في قطن.
ده الجزء اللي الجيران اختلفوا عليه بعدين؛ قالوا "إزاي رأفت يسيب عيل تعبان يجر جدته على الأرض؟". غالباً كان عندهم حق، بس في اللحظة دي، زياد ماكنش مجرد مريض، ده كان حفيد بيحارب عشان
في نص الطريق للبلكونة، عينيا غللت. وقفت ووطيت راسي عشان أتنفس.
زياد همس: "ماتوقفش".
كنت هضحك.. الولد اللي الكل بيقول عليه "بتاع مشاكل" هو اللي بيمشي كلامه على أستاذ الفلسفة العجوز في عملية إنقاذ.
قلت له: "مش هوقف، هريح بس 5 ثواني".
رد بحدة: "خليهم 3 ثواني بس".
وشدينا تاني.
بره، الجيران بدأوا يتجمعوا. "أم عبير" جابت تلج، و"عم جابر" فتح عربيتة وشغل التكييف بكل البنزين اللي فاضل عنده. حد أخد زياد قعده في العربية، وأنا فضلت حاطط الفوطة المبلولة على رقبة هانم.
الإسعاف وصلت بعد 7 دقائق من المكالمة.
السبع دقائق ممكن يكونوا ولا حاجة، وممكن يكونوا عمر بحاله.
وهم بيشيلوا هانم على النقالة، فتحت عينيها ومسكت إيدي جامد.
همست لي: "هدى كانت هتبقى فخورة بيك يا رأفت".
أنا عمري ما حكيت لهانم