صدفة جمعتنا من تاني
الجزء الثاني
نور فضلت متنحة قدام الشاشة. مفيش أوامر، مفيش تكبر.. مجرد أب مكسور بيطلب المساعدة عشان بنته.
قالت لصاحبتها لازم أمشي.
الدور بتاع قسم الأطفال كان هادي والإضاءة خافتة. خبطت براحة على باب أوضة 314 ودخلت.
ليلي كانت نايمة تحت غطى بينك، وماسكة أرنبها القماش تحت دراعها. ياسين كان قاعد جنبها على كرسي مش مريح، قلع الجاكيت وشمر كمامه، والتعب كان راسم خطوط غويطة حوالين عينيه.
دكتورة نور! ليلي همست وهي بتبتسم.
أهلاً يا بطلة، نور قربت من السرير، راسك عاملة إيه دلوقتي؟
لسه بتوجعني شوية.. بابا كان بيحكيلي حكايات وهو صغير، كان بيحب يتسلق الشجر رغم إن تيتة كانت بتزعق له.
نور بصت ل ياسين باستغراب. طول فترة جوازهم اللي قعدت سنة ونص، عمره ما اتكلم عن طفولته.
بجد؟ كان بيعمل كدة؟
ليلي كملت وقال لي إنه كان بيخاف من حاجات كتير، بس اتعلم يبقى شجاع.
عين ياسين جت في عين نور من فوق سرير بنته. وقال ساعات الكبار
نور لفت وشها الناحية التانية، لأن كلامه لمس حتة جواها كانت قفلت عليها بقفال.
ليلي اتثاوبت وقالت ممكن أسألك عن البيبي بتاعك؟
طبعاً.
ولد ولا بنت؟
مخليها مفاجأة.
نفسي يطلع ولد، ليلي قالت وهي بتغلبها النوم، عشان أعلمه إزاي ميخافش من الرعد.
الأوضة ساد فيها السكون. إيد ياسين ضغطت على إيد الكرسي جامد.
نور عدلت الغطى لليلي لازم ترتاحي يا حبيبتي.
هتيجي بكرة؟
لو لسه هنا، هعدي عليكي أكيد.
ليلي غمضت عينيها. وعند الباب، ياسين سألها بصوت واطي ميعاد ولادتك في فبراير؟
نور اتسمرت مكانها، ومفتش له. تصبح على خير يا أستاذ ياسين.
نور.. أرجوكي متمشيش وتسبيني تاني.
صوته اتكسر في آخر كلمة. وده اللي كانت بتتمناه زمان.. الضعف اللي كانت بتترجاه يظهره عشان ينقذ جوازهم. دلوقتي بقى بيوجع.
همست في بيبان بتتقفل لسبب قوي، وخرجت.
تاني يوم الصبح، نور كانت في الكافيه بتاعها المعتاد.
ليلة صعبة يا دكتورة؟
ممكن تقول كدة.
صوت رجالي عميق من وراها قال وخليها اتنين لو سمحت.
جسمها كله اتخشب. مش محتاجة تلف عشان تعرف هو مين.
ياسين قال عايز أتكلم معاكي.. أرجوكي.
عندي مرور على الحالات.
هتمشى معاكي لغاية المستشفى.
كان ممكن ترفض، وكان لازم ترفض. بس خدت كوبايتها وقالت خمس دقايق.
مشوا في هدوء الصبح في شوارع القاهرة الزحمة، لغاية ما وصلوا لجنينة صغيرة.
ياسين قال ليلي خرجت النهاردة، وهي كويسة جداً. سألت عليكي بتاع 17 مرة.
نور ابتسمت غصب عنها بنتك سكرة.
ياسين رد طالعة لمامتها.. إنجي كان عندها قدرة دايمة إنها تشوف أحسن ما في الناس.
مكنش في صوته أي مرارة، وده فاجأها. قعدوا على بنش، وياسين سألها السؤال اللي كان خايف منه البيبي.. ابني، مش كدة؟
نور بصت للبخار اللي طالع من القهوة تفرق معاك في إيه دلوقتي؟
تفرق لأني قضيت الست شهور اللي فاتوا بحاول أنساكي
زورها اتخنق بالدموع. كمل ياسين عيدت شريط آخر ليلة بينا ألف مرة. وإنتي لابسة الفستان الأزرق وبتعيطي، وأنا واقف زي الغبي مش عارف أقول الحقيقة.
إنت قولت إنك مش هتقدر تديني اللي أنا محتاجاه.
كنت خايف.. خايف أخسرك. أهلي ماتوا وأنا عندي 19 سنة في حادثة، وفي ثانية عالمي كله انهار. من وقتها اتعلمت أحب الحاجات اللي أقدر أتحكم فيها.. شركات، أرقام، مباني. بس الناس؟ الناس ممكن تختفي في لحظة. وحبك كان معناه إن حياتي بقت في إيد حد غيري.
دمعة نزلت من عين نور كنت هشيل حياتك في عيني.
عارف ده دلوقتي.
البيبي خبط جامد، ونور اتألمت شوية. ياسين بص لبطنها بلهفة ووجع فبراير؟
14 فبراير.. عيد الحب.
محدش فيهم ضحك.
سألها ليه مقولتليش؟
عشان مش هربطك بيا بطفل. كنت هتعمل الواجب وتطلب ترجعني وتجهز أوضة بيبي وتجدول الأبوة بين اجتماعات مجلس الإدارة. أنا كنت أستحق الحب يا ياسين، مش الإحزام بالواجب. وابني كمان يستحق كدة.
أنا بحبك.
الكلمة وقفتها مكانها. قلبها كان بيدق لدرجة