وعود على ورق

لمحة نيوز

"كان عندي عشر سنين."
قلت له: "عارف.. وأنا كان عندي سبعة."
الجزء التالت
محمود كان باين عليه كأني ضربته، بس الحقيقة كانت أوجع من أي ضربة. الضربة بتخلص، بس الحقيقة مابتخلصش.
قال لي: "كان لازم أحذرك. أنا شوفتك وإنت بتفطر الصبح ده. كنت عارف إن في حد جاي ياخدك. كنت عارف إن شنطتك متحضرة. كنت عارف إن أمي بتكذب لما قالت إنك رايح مدرسة خاصة."
فضلت باصص له. لسنين طويلة، كنت بتخيل إن محمود بريء، طفل تاني تاه في وسط دمار الكبار. بس دلوقتي البراءة دي اتشرخت.
قلت له: "إنت سيبتني أمشي وأنا مش فاهم حاجة."
هز رأسه وقال: "أيوة."
الكلمة دي كانت أهم عندي من أي عذر. ما استخباش ورا سنه، ولا خوفه، ولا لخبصته. هو اعترف بأبشع حتة فيه. يمكن عشان كده ما كرهتوش.. الكره محتاج مقاومة، وهو ما قاومش.
دينا اتكلمت بعدها بصوت ضعيف. قالت إن بابا قال لها إني في مكان أمان، ومنعها تسأل أسئلة عشان ده بيضايقه. قالت إنها كانت بتألف
قصص عني لسنين.. مدرسة داخلي.. برنامج للموهوبين.. منحة بره.. أي حاجة غير الحقيقة، لأن الحقيقة كانت قاسية قوي إنها تتقال بصوت عالي.
أبويا فضل حاطط إيديه الاتنين على ركبه. وقال: "أنا كنت عارف إنت فين.. أنا عديت من قدام دار (الأمل) مرة بالعرية."
الأوضة فجأة بردت.
سألته: "إمتى؟"
"كان عندك حداشر سنة."
حسيت ريقي نشف.
بلع ريقه وكمل: "ركنت الناحية التانية من الشارع. شوفت عيال بره. قعدت أفكر يمكن واحد فيهم يكون إنت. نزلت من العربية، وبعدين ركبت تاني. قلت لنفسي إني لو دخلت هشتتك وألخبطك."
قلت له: "لأ.. إنت خفت تواجه نفسك."
غمض عينه وقال: "أيوة."
هي دي الحقيقة المرة. الموضوع مش إنهم تاهوا عني، الموضوع إنهم كانوا عارفين مكاني واختاروا البعد، لأن البعد كان بيحميهم من إحساسهم بالذنب.
قمت ووقفت قدام الشباك. في الطرقة، التليفونات كانت بترن، وصوت الكيبورد، وناس بتضحك. أغرب حاجة في الوجع، إنه ممكن يشقك نصين والعالم
لسه بيعمل قهوة عادي.
لما لفت ليهم، كان شكلهم كلهم أصغر وأضعف.
قلت لهم: "أنا بنيت الشركة دي لأني ما كانش عندي حد أجري عليه. بنيت نظام لأني طفولتي ما كانش فيها نظام. بقيت بوظف الناس بحذر لأني عارف يعني إيه لما كبار مستهترين يتحكموا في مستقبلك. بقيت شخص يعتمد عليه لأنكم ما كنتوش كده."
أمي كانت بتبكي في إيدها.
كملت كلامي: "أنا مش همثل إن القعدة دي هتصلح كل حاجة. ومش هوزع غفران وجوائز عشان إنتوا وصلتوا أخيراً. بس أنا كمان مابقتش عندي سبع سنين. مش هقضي بقية عمري واقف عند البوابة دي، مستني ناس هما أصلاً واقفين قدامي."
محدش نطق.
"فاللي هيحصل هو ده.. يا أمي، ممكن تكلميني كل يوم حد. لو فوتّي مكالمة من غير عذر، هنوقف. يا بابا، ممكن تبعت لي إيميلات.. أسئلة حقيقية، وإجابات حقيقية، من غير تمثيل. محمود، لو عايز تعرفني، تيجي من غير ما تستخبى ورا ندمك. دينا، إنتي مش محتاجة تألفي قصص عني تاني."
أمي بصت لي وقالت:
"ولو فشلنا؟"
قلت لها: "يبقى هتعود أعيش من غيركم تاني."
دي كانت أول مرة أحس إنهم فهموني فعلاً. مش الطفل اللي سابوه، ولا رجل الأعمال اللي في المقال.. أنا.
مشوا بعد ساعة. أمي حضنتني، ولثانية واحدة رجعت عندي سبع سنين، ماسك ساندوتش سخن، ومستني عربية مش هترجع. وبعدين رجعت تاني عندي 34 سنة، وحضنتها لأني أنا اللي "اخترت" ده.
بعد ما مشوا، حطيت الورقة في درج مكتبي. مش في صندوق، ولا مستخبية تحت ورق قديم.. في درج. قريبة كفاية عشان أفتكر، وبعيدة كفاية عشان أعيش.
بعدها شريكتي في الشغل "سيمون" خبطت وقالت لي إن في عميل مستني.
مسحت وشي، عدلت الجاكت بتاعي، ورجعت لشغلي. لأن أحسن انتقام ما كانش الشركة، ولا الفلوس، ولا نظرة الندم اللي في وشهم.
أحسن انتقام هو إني لسه قادر أبني حاجة، بعد ما هما حاولوا يسيبوني وماعييش أي حاجة.
لو القصة أثرت فيك، قولنا في التعليقات تفتكر "أحمد" يعمل إيه؟ يسامحهم تماماً ولا يحافظ على
سلامه النفسي للأبد؟
 

تم نسخ الرابط