وعود على ورق

لمحة نيوز

الجزء التاني
أمي دخلت أول واحدة.
"كريمة" بقى عندها 63 سنة، باين عليها الهم وخست أكتر من اللي فاكره، وشعرها الأسود بقى فيه خصل فضي عند جبهتها. وقفت تحت لوجو الشركة كأن الحروف خبطتها في صدرها. وراها دخل أبويا، "رأفت"، لسه كتافه عريضة بس بيتحرك بحذر، زي الناس اللي قضت عمرها بتداري الحاجات اللي كسرتها. وبعده دخل "محمود"، كان بيبص في الصالة كأنه مستني الأمن يطرده بره. وآخر واحدة كانت "دينا"، وكانت بدأت تعيط فعلاً.
سبتهم واقفين مكانهم خمس دقائق.
مش عشان كنت عايز أعذبهم، بس كنت عايزهم يحسوا ولو لمرة واحدة، يعني إيه تفضل مستني حد في إيده إنه يجيلك وما بيجيش.
لما نزلت لهم من الأسانسير، أمي جريت عليا، رفعت إيدي ووقفتها.
قلت لها: "مش دلوقتي.. اتفرجوا على كل حاجة الأول."
مشيت بيهم في الشركة.. فرجتهم على قسم التصميم، والناس اللي شغالة على الشاشات والرسومات. أوضة العمليات

اللي فيها لوحات رقمية لكل المواعيد. قاعات الاجتماعات اللي متسمية بأسامي المدن اللي لينا فروع فيها. حيطة العملاء، اللي مليانة لوجو شركات وثقت فيا أكتر ما أهلي وثقوا فيا.
ما حدش اتكلم كتير.
أبويا فضل باصص لأول دولار كسبته وبروزته. محمود حاطط إيده في جيبه. دينا ما لمستش حاجة. أمي كانت بتعيط في صمت، وأنا ما حاولتش أواسيها. أنا قضيت 11 سنة بعيط وماحدش جه، هي تقدر تستحمل جولة واحدة في شركة.
خليت مكتبي آخر حاجة.
قعدوا قدامي.. أهلي على الكراسي، ومحمود ودينا واقفين وراهم زي الشهود. مسكت الظرف الأصفر القديم.
أمي عرفته في ثانية.
وشها انهار.
سألتها: "عارفة إيه ده؟"
هزت رأسها بضعف.
قلت: "ده راح معايا لدار الأيتام. شيلته معايا 11 سنة في الدار، وسبع شقق، وتلات مدن، وفي كل نسخة من نفسي اضطررت أكونها. ما فتحتوش خالص لأني كنت خايف يكون فيه كلام أوحش من السكوت."
أبويا بص في الأرض.

قلت لهم: "على مدار 27 سنة، دي كانت الحاجة الوحيدة اللي أخدتها منكم وفضلت معايا."
قطعت الظرف وفتحته.
الورقة اللي جوه كانت مسطرة، ومطبقة تلات مرات، ومكتوبة بخط إيد أمي. قريتها مرة في سري.. إيدي ما اتهزتش، بس حسيت بحاجة قديمة وخطيرة بتتحرك في صدري.
وبعدين قريتها بصوت عالي.
كانوا كاتبين إنهم بيحبوني. كاتبين إنهم مش قادرين يهتموا بتلات أطفال مع بعض. كاتبين إن ده فشلهم هما مش ذنبي أنا. وصفوني إني شجاع. ووعدوني إنهم هيلاقوا طريقة يرجعوا لي بيها.
حطيت الورقة على المكتب.
السكوت اللي حصل بعدها كان أتقل من أي صرخة.
قلت لهم: "إنتوا وعدتوا."
أمي غطت بقها بإيدها، وأبويا ضغط على سنانه.
قلت: "وعدتوا طفل عنده سبع سنين إنكم هتلاقوا طريقة ترجعوا له.. وبعدين استنيتوا لما بقى غني كفاية عشان يبقى سهل تلاقوه."
محمود اتنفض، ودينا شهقت شهقة مكتومة ومكسورة.
أبويا أخيراً نطق: "ما فيش
أي تبرير هيخلي اللي حصل ده صح."
قلت له: "فعلاً.. ما فيش."
أمي مالت لقدام وقالت: "الموضوع كان المفروض يبقى مؤقت."
رديت عليها: "ده اللي كل جبان بيقوله على (التخلي) قبل ما يبقى (أبدي)."
الكلمة نزلت عليها زي القلم على وشها. شوفت ده، وما ندمتش.
قالت لي إن الطلاق دمرها. وإن محمود كان محتاجها، وهي كانت محتاجة تحس إنها مرغوب فيها. وأبويا اعترف إنه أخد دينا عشان كانت هادية، ومطيعة، ومش هتسأل أسئلة تخليه يكره نفسه. هما وافقوا على اقتراح "الإيداع المؤقت". قالوا كام شهر.. قالوا عشان الاستقرار.
وبعدين الكسوف والخزي كملوا الباقي.
كل شهر كان بيخلي الرجوع أصعب. وكل سنة بتخلي السكوت أسهل. ولحد ما فهموا هما عملوا إيه، ما كنتش أنا طفل خلاص.. كنت بقيت "عفريت" هما خايفين حتى ينطقوا اسمه.
بصيت لمحمود: "إنت كنت عارف؟"
وشه بقى أصفر.
همس وقال: "ليلتها.. أمي قالت لي. وقالت لي ما أقولكش.
"
حسيت الأوضة بتلف بيا.
"وما قلتليش."

تم نسخ الرابط