خطوات صامتة

لمحة نيوز

 وهي بتقول لأصحابها إن بنتها الصغيرة "أخيراً عقلت وبطلت تمرد". ركب لوسي لمت غلط؛ كانت بتقدر تمشي، بس الجري كان عذاب، وطلوع السلم بياخد ضعف الوقت، ومع كل شتوية، الوجع كان بيفكرها إن عضمها لسه فاكر اللي حصل.
آرثر كان بيبرر اللي عمله في العزومات ويقول إنه "بيصقل شخصيتها". وصوفيا كانت بتستخدم وجع أختها مادة للهزار البايخ. في يوم، لوسي سمعت صوفيا وهي بتقول في التليفون إن "العرجا" دي مش هتورث مليم من ثروة العيلة، وإن كل الأملاك والشركات والجمعية الخيرية بتاعة أمهم بقت باسم صوفيا قانونياً.
في اللحظة دي لوسي فهمت اللعبة: أهلها مش بس قساة، دول كمان عايشين في وهم إنهم فوق القانون. فقررت تبطل عياط، لأن الدموع في البيت ده كانت "بنزين" لغرورهم. وجعها اتحول لذكاء بارد وحسابات دقيقة. بدأت تجمع أدلة. مكنتش بتخطط لانتقام بصرامي وصريخ؛ هي فهمت إن الحقيقة في عالم الأقوياء مالهاش لازمة لو مفيش وراها جبل أوراق ومستندات.
استغلت ثقة أبوها العمياء في نفسه، وبدأت تدخل مكتبه الفجر. صورت عقود أملاك، تحويلات دولية مشبوهة، كشوف حسابات متفبركة، وتهرب ضريبي للضرائب. واكتشفت أكبر سر ليهم: إن جمعية أمها الخيرية كانت مجرد ستار لغسيل الأموال وشركات أبوها للمقاولات. كل حاجة بقت متوثقة

عندها.
عشان تمول هروبها، اشتغلت بالليل في مخزن بتغلف صناديق، واستخدمت اسم مستعار عشان محدش يتبعها. درست قانون ومحاسبة "أونلاين" في الساعات المتأخرة. حوشت كل قرش في صمت تام. استحملت الإهانات اليومية والترقية على مشيتها من غير ما تبين أي تعبير. ولما كملت 21 سنة، كان معاها نسخ موثقة، وفلوس كفاية، وبرود أعصاب ملوش حدود. أجرت خزنة في منطقة بعيدة وحطت فيها "الهاردات" اللي فيها المتفجرات اللي هتهد إمبراطورية العيلة.
الهجوم مكنش بصوت عالي، بس كان مدمر. لوسي بدأت تسرب المعلومات بالتدريج وبدون ما تظهر في الصورة. بعتت ورق لمباحث الأموال العامة، ونسخ رقمية لصحفيين تقال في البلد. بعتت إيميلات للمتبرعين لجمعية أمها توضح لهم إن فلوسهم كانت بتصرف على سفر صوفيا لأوروبا. مهديتش حد، ولا طلبت فلوس. هي بس قدمت حقائق.
التليفونات بدأت ترن في البيت ليل نهار. صريخ آرثر وهو بيسأل على الفلوس اللي اتجمدت، وعياط إيلين الهستيري وهي بتحلف إن حد خانهم، وصراخ صوفيا لما اكتشفت إنها هي اللي في وش المدافع لأن كل حاجة باسمها. وفي عز الكارثة دي، لوسي فتحت باب البيت واختفت.
نقلت لشقة بسيطة في مدينة تانية، ومعاها شنطة هدومها ولابتوب وراحة بالها. ومن بعيد، كانت بتتفرج على الانهيار. حسابات البنك
اتجمدت، والفضايح بقت في كل النشرات. سمعة إيلين "الهانم" بقت في الأرض، وصوفيا بدأت تبعت رسايل استعطاف بعد ما فشلت رسايل التهديد والرشوة. لوسي ماردتش على حد. اليوم اللي زحفت فيه على الحجر وعضمها مكسور، اتعلمت إن "الشفقة" مفهوم ملوش لازمة.. الناس دي مبتفهمش غير لغة العواقب.
بينما عالم أهلها كان بيتهد، لوسي بدأت تتطوع في ملجأ حقيقي للستات ضحايا العنف. هناك محدش سألها ليه بتعرجي، ومحدش بصلها بقرف. هناك حست إن كسر جسمها مكنش النهاية، بالعكس، ده خلاها خطيرة جداً على أي حد بيستغل سلطته.
بعد 8 شهور، لوسي رجعت القاهرة لمرة واحدة وأخيرة. القصر كان متبهدل، العفش الغالي واللوحات اتباعوا في المزاد، والبيت ريحته بقت كآبة وهزيمة. لقتهم التلاتة قاعدين في المطبخ الرخام الواسع.. شكلهم كبر وعجزوا.
لوسي قربت منهم، وهي ساندة على رجلها السليمة، ومن غير ولا كلمة سلام، حطت حاجة تقيلة على التربيزة: "طوبة حمرا" ومعاها صورتها وهي عندها 15 سنة. وكتبت ورا الصورة: "كان معاكم كل حاجة واستخدمتوا قوتكم عشان تخلوني ماليش حاجة.. دلوقتي خلي الطوبة دي معاكم".
آرثر بصلها بعين حمرا وسألها بصوت مبحوح هي عايزة إيه. لوسي بصتله بنفس النظرة اللي بصها لها زمان، وقالتله إنها مش جاية تاخد القصر ولا الفلوس،
ولا حتى تشمت فيهم. هي خلاص خدت منهم أغلى حاجة: مظهرهم المثالي، ووضعهم الاجتماعي، وغرورهم بإنهم يقدروا يدمروا حد من غير تمن.
صوفيا انفجرت في العياط بجد المرة دي، وإيلين كانت هتموت من القهر. آرثر وهو بيترعش من الغل وصفها بإنها "مريضة ووحش".
لوسي ابتسمت وقالت: "يمكن أكون وحش فعلاً.. بس أنتوا نسيتوا إن كل وحش هو من صنع إيد خالقه".
سابتهم ومشيت، وغيرت لقب عيلتها وقطعت آخر خيط بيربطها بيهم. ركبها لسه بتطقطق لما الدنيا بتمطر أو بيبقى فيه برد شديد، وفيه أيام الوجع بيخليها تمشي زي البنت المراهقة اللي اتضربت زمان.. بس الوجع ده مبقاش ملكهم، بقى خريطة لمعاركها اللي كسبتها.
آرثر اتحكم عليه بالسجن، وإيلين أعلنت إفلاسها، وصوفيا انتهى بيها الحال في أوضة إيجار بتشتغل شغلانة بسيطة عشان تعيش. لوسي مكنتش فرحانة بمصيبتهم، هي بس كانت محتاجة تنهي الحكاية وتتأكد إنهم مش هيكون ليهم سلطة عليها تاني أبداً.
في ليلة عادية، لوسي وقفت قدام المراية، ومكنش فيه وراها ضحك بسخرية ولا إيد ماسكة طوبة.. كان فيه هدوء مطلق. بصت لنفسها وقالت بصوت عالي: "أنا مش وحشة". ولأول مرة، الكلمة كان ليها صدى حقيقي.. لأن البنت اللي افتكروها مجرد غلطة، مش بس نجت من الجحيم، دي اتعلمت إزاي تحكم الرماد بتاعها
بعيد عنهم خالص.

تم نسخ الرابط