حفيدتي
المحتويات
المشاعر تدخل في الموضوع. بس حتى وقتها، وفي أعماقي، أعتقد إني كنت عارف.
لميت شنطتي؛ بدلة، قمصان، فرشة سنان، الأدوية، وملف قانوني. وعلى الساعة 450 الصبح، كنت لابس وواقف مستني عند الباب. الساعة 502، جوزيف وصل ببنطلون ترينج وتيشيرت قديم وشبشب، وماسك مج قهوة.
قال لي شكلك زفت.
رديت وأنت شكلك أزفت.
قال هي دي الصداقة.
خد المفتاح الاحتياطي، بص في وشي وملامحه اتغيرت للجد. هاتها البيت لو لزم الأمر. هزيت راسي وقلت ممكن فعلاً. مد إيده وضغط على كتفي جامد، وبعدين دخل المطبخ عندي، والكلب بتاعي كان بدأ يهز ديله بخيانة لمجرد إنه شاف حد ممكن يأكله. طلعت على المطار.
وصلت أتلانتا الساعة 708 يوم الخميس الصبح، متأخر تلات دقايق عشان الطيار قال فيه رياح معاكسة غير متوقعة. شركات الطيران دايماً بتعتذر بكلام معسول، وكأن اللغة ممكن تخفف من قلة الراحة. أجرت عربية شيفروليه مالي بو زرقا، ريحتها كانت فواحة بريحة الصنوبر لدرجة خلتني أشك إن كان فيه جريمة حصلت فيها قريب، وطلعت شمال ناحية ماريتا.
الطرق كانت بدأت تصحي. موظفين بقمصان مكوية ونضارات شمس، كوبايات قهوة في مكانها. المدينة كلها ماشية في روتينها العادي وهي متعرفش إن فيه بيت هادي في الضواحي، فيه طفلة عندها تمن سنين اتسابت وراهم زي شنطة زيادة ملهاش
شارع ويتمور درايف كان زي ما فاكره بالظبط. واجهات بيج، شجر مقصوص بنظام، وجنينة ورد ناتالي بتهتم بيها بدقة عسكرية. جراج لعربيتين. منطقة منظمة لدرجة إنها تحسسك إنها ديكور في كتالوج بيوصف السعادة. سكايلا أكيد كانت مراقبة من الشباك، عشان الباب اتفتح قبل ما أوصل للبيت. كانت واقفة ببيجامة بمبي وعليها رسمة كسلان، حافية، وشعرها منكوش، وعينيها وارمة من كتر العياط. كانت باينة أصغر من تمن سنين. لثانية فضلت تبص لي، كأنها بتتأكد إني حقيقي. وبعدين جريت.
سبت شنطتي وحضنتها في نص الطرقة. خبطت فيا بقوة لدرجة إنها رجعتني خطوة لورا، وكلبشت في رقبتي بكل قوتها. حضنتها وجمدت عليها. مفيش حد فينا نطق بكلمة. ساعات الكلام بيبوظ الدنيا. حسيت بنفَسها على كتفي، وجسمها لسه بيترعش، فضلت حاطط إيدي على راسها والتانية على ضهرها. قلت لها أخيراً أنا معاكي.. جدو معاكي.
فضلنا كده كتير. واحد ماشي بكلب بص لنا بابتسامة جيران هادية وكمل طريقه. الرشاشات اشتغلت في الجنينة اللي في آخر الشارع. الشمس كانت مغرقة الدنيا بلون دهبي. العالم كان باين طبيعي جداً. وده أصعب حاجة في قسوة الأهل؛ إنها من بره بتبان كأنها مجرد تنسيق جنينة.
بعد شوية بعدت عشان أشوف وشها. أكلتي؟ هزت راسها ب لأ. نمتي؟ سكتت وهزت كتافها. قلت لها
لمعة خفيفة ظهرت في عينيها وقالت أوحش من بتاع الكريسماس اللي فات؟
قلت أوحش بكتير.. بتاع الكريسماس كان على الأقل باين إنه بيض.
الابتسامة اللي كانت هتبدأ دي كانت هتموتني من الوجع.
البيت حكى اللي حصل قبل سكايلا ما تتكلم. الناس فاكرة إن البيوت دي مجرد حيطان، بس الحقيقة إنها أدلة جنائية. ترتيب الأشياء بيحكي قصة لو بتعرف تبص صح. وأنا قضيت تلاتين سنة بعلم القضاة إزاي يبصوا.
أول حاجة لاحظتها كانت صور العيلة على الحيطة. صور متبروزة في خط مستقيم، مترتبة بذوق، ومختارة عشان تقول إحنا عيلة سعيدة. أليكس في صورته المدرسية، أنطوني وناتالي بيضحكوا في رحلة، أليكس بلبس البيسبول وهو بيضحك بكل ثقة طفل عارف إنه الكل مهتم بيه. صورة الكريسماس، صورة البحر. رسمة أليكس متبروزة جنب الحمام.
عديت حداشر صورة. سكايلا كانت موجودة في اتنين بس. اتنين.
واحدة كانت صورتها في أول يوم مدرسة، ومحطوطة تحت خالص كأنها محطوطة بس عشان ميتقالش إنها مش موجودة. والتانية كانت صورة الكريسماس. العيلة كلها كانت لابسة بلوفرات حمراء طقم واحد. أنطوني، ناتالي، أليكس. مترتبة ومخطط ليها. سكايلا كانت واقفة في الطرف خالص ببلوفر مدرسة كحلي، وراهم بنص خطوة. كأنها ضيفة.
فضلت
سألتها ليه يا حبيبتي؟
هزت كتافها وهي مش باصة لي طالعة فيها كأني ضيفة.
تمن سنين. عندها تمن سنين وفاهمة يعني إيه استبعاد.
لمست جهاز التسجيل اللي في جيبي، ودخلت وراها المطبخ.
البيض كان وحش فعلاً زي ما وعدتها، وده ساعدنا. الهزار ممكن يكون كوبري لما الطفل يكون مجروح لدرجة إنه مش قادر يصدق في المواساة المباشرة. قعدت تنكش في الأكل وأنا اعتذرت بتمثيلية، وهي قلبت عينيها بملل، ودي كانت أول علامة صحية أشوفها طول اليوم.
سبتها تتكلم لما حست إنها مستعدة. سألتها قالولك امتى إنهم ماشيين؟
يوم الثلاثاء بالليل، بعد العشا.
وقالوا إيه؟
قعدت تحرك حتة بيض في الطبق وقالت بابا قال إنها رحلة مفاجئة عشان عيد ميلاد أليكس.
قلت بهدوء بس عيد ميلاد أليكس لسه عليه شهرين.
قالت عارفة.
الرد ده كان واقعي لدرجة إنه وجع أكتر من العياط.
قولتي لهم كده؟
هزت راسها وقالت ماما اتضايقت، وقالت إني أنانية وببوظ المفاجأة.
وبعدين؟
بابا مكلمنيش تلات أيام.
فضلت ساكت. الانضباط اللي اتعلمته في المحاكم رجع لي؛ القدرة على الغضب من غير ما يبان، القدرة على أرشفة الحقائق في دماغي بدل ما أنفجر.
سألتها وطنط باترسون؟ قالولك إنها
قالت لي أخبط عليها
متابعة القراءة