مديرتي طلبت مني طلب غريب

لمحة نيوز

المديرة التنفيذية بتاعتي قفلت باب المكتب، وبصت لي في عيني وقالت: "أنا عايزة أعمل عيلة.. وبطلب منك تتجوزني عشان نكون أسرة، بس باتفاق واضح". أنا كنت أرمل، ومعايا طفل يتيم، راجل عايش في "جلباب" حزنه القديم. في اللحظة دي، مفيش غير فكرة واحدة خبطت في راسي: "هل ربنا بيعوضني بصورة أب تاني؟".
الموقف كان تقيل، والشمس اللي داخلة من شباك مكتب "الأستاذة آرا" كانت كاشفة كل حاجة. هي ست في منتهى الهيبة، بنت نفسها بنفسها في سوق التكنولوجيا الطبية، الكل بيعمل لها ألف حساب، "بنت بنوت" زي ما بيقولوا، بس العمر جرى بيها وهي بتجري ورا طموحها وبنت إمبراطورية. كانت دايمًا بتبان في الاجتماعات زي "الحديد"، مفيش مشاعر بتبان على وشها، بس النهاردة كانت بتبص لي بنظرة فيها رجاء عمري ما شفته قبل كده.
أنا "روان"، شغال محلل نظم في شركتها. في مجتمعنا، الراجل الأرمل اللي معاه طفل بيبقى مكسور الخاطر شوية، وكل همي كان "مايكا" ابني، إزاي أعوضه عن حنان أمه اللي راحت فجأة. كنت بخلص شغلي بالدقيقة عشان ألحق أجيبه من الحضانة، وبقضي يومي بين المذاكرة واللانش بوكس

وذكريات مراتي الله يرحمها. السنين اللي فاتت كانت صعبة، كنت بحس إني عايش زي الآلة، من الشغل للبيت ومن البيت للحضانة، وقلبي كان مقفول عليه بـ "مية قفل".
"آرا" كانت ملاحظاني.. مش كـ "موظف"، لكن كـ "أب". شافت فيا الراجل اللي بيصون الود، الراجل اللي "شال الشيلة" لوحده من غير ما يشتكي ولا يطلب مساعدة من حد. قالت لي وهي بتحاول تداري ارتباكها: "يا روان، أنا دكاترتي قالوا لي إن الوقت مش في صالحي. أنا مش عايزة علاقة طايشة ولا عايزة أهدم كيانك. أنا عايزة راجل أئتمنه على اسمي وعلى طفل يكون سندي وسندك. أنا بطلب منك (جواز شرعي) بس يكون قايم على اتفاق واحترام.. نربي ولادنا سوا، ونبني بيت فيه أمان قبل أي حاجة. أنا مش محتاجة فلوسك، ولا محتاجة إنك تتغير عشاني، أنا محتاجة (أصلك) الطيب".
في مجتمعنا، العرض ده ممكن يتفهم غلط، والناس ممكن تقول "ده طمعان في فلوس مديرته"، بس "آرا" كانت بتتكلم بوجع الست اللي خايفة تعجز وهي وحيدة في بيتها الفاخر اللي ملوش صوت. روحت البيت يومها، بصيت لـ "مايكا" وهو نايم، وبصت لصورة مراتي اللي متعلقة في الصالة. هل
ده خيانة لذكراها؟ ولا ده "ستر" وجبر خاطر لست محترمة؟ فضلت طول الليل أصلي استخارة وأفكر في كلام الناس، وفي الوحدة اللي "آرا" عايشة فيها رغم نجاحها اللي مسمع في كل حتة.
بعد أسبوع من التفكير، روحت لها المكتب وقلت لها: "أنا موافق يا أستاذة آرا، بس عندي شروط. الجواز لازم يكون رسمي قدام الكل، وابني (مايكا) يكون هو البكر في البيت ده، حقه في الحنان والاهتمام زي ابني اللي لسه مجاش، وأنا مش هاخد مليم من ثروتك، أنا راجل بياكل من شقاه". وافقت بلهفة وعينها دمعت، وبدأنا نجهز لكل حاجة بهدوء.
اتجوزنا.. جواز "عائلي" هادي، والناس في الشركة استغربت والقال والقيل كتر، بس "آرا" مكنتش بتهتم بكلام حد. شالت شنتطها ونقلت في بيت متوسط بس دافي، عشان تبدأ حياة حقيقية. بدأت علاقتها بـ "مايكا" بذكاء وصبر، مكنتش بتفرض نفسها عليه، كانت بتسيب له مساحته، وتقعد معاه تلعب "مكعبات" وتسمع حكاياته عن المدرسة، لحد ما في يوم، وإحنا قاعدين بنتعشى، نده لها "ماما آرا". في اللحظة دي، "آرا" سابت الشوكة من إيدها وعيطت كأنها ملكت الدنيا كلها لأول مرة في حياتها.
شهور
الحمل كانت صعبة عليها، بس كانت فرحانة بكل تعب. شفت فيها الست الضعيفة اللي محتاجة سندي، والست القوية اللي بتدير شركات بمليارات وهي شايلة بنتنا في بطنها. كنت بروح معاها للدكتور، وأمسك إيدها وهي بتسمع نبض البيبي، وكنت بحس إن الروح بترد فيا أنا كمان.
ولما ربنا رزقنا بـ "ليلى"، البيت اتقلب فرحة مكنتش أتخيلها. "آرا" المديرة القوية، بقت في البيت ست بيت حقيقية، بتسهر وتتعب وتغير للبيبي وتطبخ بنفسها. وأنا رجعت أحس بـ "دفا" البيت اللي كنت فاكر إنه ضاع للأبد مع رحيل مراتي. "مايكا" بقى هو الأخ الكبير الحنين، بيخاف على أخته ويغني لها عشان تنام.
القصة في مجتمعنا مش عن "البيزنس" ولا عن "العقود"، هي عن "العوض". ربنا عوض "آرا" بطفل يحمل اسمها وبيت يونس وحدتها، وعوضني بـ "سكن" وحياة مستقرة ونور جديد دخل بيتي. في الآخر، العيلة مش بس بالدم، العيلة هي الناس اللي بتختار تشيل معاك الحمل في عز الشمس، وتطبطب عليك في عز الوجع، وتبني معاك "مستقبل" من وسط ركام الماضي. وبقت حياتنا مثال إن الاحترام والصدق هما اللي بيبنوا البيوت، مش المظاهر ولا الفلوس.

 

تم نسخ الرابط