الحساب غير موجود
محدش رضي يسمعني، ولا حد خدني على محمل الجد أبدًا.. لحد ما جه اليوم اللي رجعت فيه بس مكنتش لوحدي، وساعتها الحساب اللي قاله عليه في يوم من الأيام إنه "مش موجود" غير مصير الكل.
النهاردة، بالعافية لو حد فاكر أنا بدأت أروح البنك من إمتى، بالنسبة لهم كنت مجرد ست غلبانة، خيال بيتكرر كل شوية في صالة البنك وخلاص.. أما أنا، فأنا فاكرة كويس، فاكرة لأن كل مشوار كان له تمن ووزن مختلف، ولأن في كل مرة كنت بخطي فيها عتبة الباب الأزاز، مكنتش بحس إني رايحة بنك، كنت بحس إني رايحة أقابل ذكرى ابني.
أول يوم اتنين من كل شهر، الساعة تسعة الصبح بالظبط، كنت بكون واقفة قدام فرع "البنك الأهلي" في وسط البلد.. لا دقيقة بدري، ولا دقيقة تأخير. مكنتش بشيل شنطة، عمري ما احتجت لها، كنت بشيل بس "دوسيه أزرق" قديم، ودايب، وأطرافه متنية من كتر الشيل والحط.. مكنش فيه فلوس، كان فيه ورق، وصور، وملاحظات.. ووعد.
— صباح الخير — كنت بقولها دايماً بالصوت التعبان اللي مكنتش بحاول أخبيه — كنت جاية أسأل عن حساب ابني.
في الأول، كانوا بيستقبلوني من باب الذوق، يبتسموا ويهزوا راسهم، وبعدين الموضوع بقى روتين، مبقوش يبتسموا بس يسألوا، وفي الآخر بقى بالنسبة لهم إزعاج.. تأفف، ونظرات للساعة، وتكتكة بزهق على الكيبورد.
— اسم صاحب الحساب
— "ياسين رأفت" — كنت بجاوب كل مرة بنفس الثبات.
يكتبوا الاسم، يستنوا، وبعدين يكشروا: "مفيش أي حساب بالاسم ده يا ست الكل".
كنت بهز راسي كأني مسمعتش الرد ده قبل كده، كأنه مش نفس الرد اللي بسمعه بقالي سبع سنين ورا بعض.
— طب ممكن تراجعوا تاني؟ — كنت بطلب بهدوء — الحساب ده اتفتح في شهر مارس، من سبع سنين، هنا في الفرع ده.. والرقم بتاعه آخره 48.
فيه اللي كان بيضحك بسخرية، وفيه اللي كان بيلوي بوزه من غير كسوف ويقولي: "يا حاجّة مفيش حاجة هنا، يمكن ابنك كان فاتح في بنك تاني". كنت بقفل الدوسيه بالراحة وبحرص كأني بقفل على حاجة حية وأقولهم: "شكرًا ليكم، هجيلكم الشهر الجاي".. وكنت برجع فعلاً.
بدأوا يسموني "مجنونة البنك"، عرفت ده لأن الكلام بيتحس حتى لو منطقش، الأمن كانوا حفظوا خطوتي البطيئة وهدومي البسيطة، ومرتين حاولوا يمنعوني أدخل: "مينفعش تفضلي تشغلي الموظفين كده، الموضوع اتوصفلك مية مرة". بصيت في عينيه من غير غضب ولا توسل وقلت له: "أنا مش بشغل حد، أنا بسأل عن مال ابني". مكنوش بيعرفوا يردوا، وكانوا بيفتحوا لي الطريق دايماً.
كنت — ولسه — عايشة في بيت سقف صاج في "عزبة النخل"، لما الدنيا تمطر السقف بيغني، ولما البرد يشد الهوا
"ياسين" كان ابني الوحيد، مهندس برمجة، هادي وبتاع ربنا، من النوع اللي بيسمع أكتر ما بيتكلم. من سبع سنين اتقتل في "حادثة سرقة" زي ما قالوا.. طلقة واحدة، محضر، وقضية اتقفلت بسرعة تخوف. قبل ما يموت قال لي جملة مفهمتهاش وقتها: "يا أمي، لو حصل لي حاجة في يوم.. روحي البنك، اسألي عن الحساب، ومتمشيش مهما قالوا لك إنه مش موجود".
مفهمش في البنوك ولا في السيستم، بس بفهم في الوعود وبفهم في قلب الأم، وعشان كده كنت بروح كل شهر، لمدة سبع سنين، سواء مطرت أو جسمي وجعني، لحد ما جه يوم "تلات" غير كل حاجة.
المدير الجديد شافني من مكتبه، عرفت ده من نظرته اللي اتسمرت عليا، طلب اسم ابني "ياسين رأفت"، وأول ما كتبه في السيستم، وشه جاب ألوان وشحب تماماً.. مكنتش أعرف وقتها بس أنا كنت لمست خيط محظور، حساب متجمد بسبب تحقيقات داخلية، وملف ممنوع أي حد يعرف عنه حاجة. في اليوم ده مروحتش لوحدي، دخلت المرة دي ومعايا "المستشارة فريدة" من الرقابة الإدارية، ومعاها محامي كبير ومعاهم ملف أسود مختوم.. مكنش
في غرفة مغلقة بدأت الحقيقة تخرج قطعة قطعة، ابني مكنش مجرد مهندس، ده كان شغال في شركة واجهة لعمليات غسيل أموال كبيرة، وهو اللي اكتشف كل حاجة وربط الخيوط، وبدل ما يهرب، وثق كل الأسماء والتحويلات في "حساب صمت" ذكي مبيظهرش في البحث العادي إلا ببروتوكول معين هو اللي صممه، حساب مبيفتحش إلا لو صاحبه مات.
لما الحساب اتفتح، الأرقام مكنتش فلوس وبس، دي كانت "بلاغات" بأسماء ناس كبيرة، تحويلات مئات الملايين بأسماء وصور وتوقيعات مكنش حد يجرؤ ينطقها. في اليوم ده البنك اتقفل، والأسماء الكبيرة بقت على الشاشات مجردة من نفوذها، والألقاب سقطت قدام حقيقة مكتوبة.
أما أنا، فبقيت في الظل، مظهرتش في التلفزيون ولا طلبت شكر، كنت عاوزة حاجة واحدة بس: ابني يرجع حقيقة تنصفه، واسمه يتغسل من الشبهة، ويذكر كإنسان اختار الحق لما كان الهروب سهل.
بعد أسابيع، اتحطت لوحة صغيرة عند مدخل البنك مكتوب عليها: "ياسين رأفت.. مواطن اختار الحقيقة". رحت المرة الأخيرة، مش عشان أسأل، بس عشان أقف وأتنفس، بصيت للوحة وضمت الدوسيه الأزرق لصدري، الدوسيه اللي سخروا منه وهو مليان صبر ووعد وقلب أم مبيعرفش ينسى.. وخرجت بخطوات هادية، واثقة إن الطريق خلص زي ما كان لازم يخلص.. ومن يومها، محدش ضحك عليا تاني