سلمى: ثمن الكرامة

لمحة نيوز

التراب كان مالي السكة الزراعي وكأن البلد نفسها عايزة تحذر "سلمى" إن في شر جاي في السكة.
كانت الساعة داخلة على تلاتة العصر، وشمس "نجع حمادي" نازلة بنارها على البيوت والمزارع الناشفة. سلمى كانت ماشية ببطء، شايلة حمل حطب تقيل مربوط على ضهرها، وإيد سانده بيها بطنها اللي بقت في الشهر التامن، والإيد تانية ماسكة طرف الشال الأزرق الباهت اللي مغطي راسها. كل خطوة كانت بتسمّع وجع في وسطها، بس كملت.. مفيش غاز في البيت، والعيال اللي في بطنها — اللي الدكتور قال إنهم توأم — مش هيستنوا لما ترتاح.
وفجأة، ظهرت العربية.
سودة، بتلمع، فخمة لدرجة تخليك تحس إن مالهاش مكان في وسط تراب السكة ده. فرملت قدامها بالظبط، وعفرت التراب في وشها لدرجة إن بوقها اتملا رمل. إزاز العربية المدخن نزل بهدوء، وخرجت منه موجة هوا ساقعة بريحة تكييف، ومعاها ريحة جلد غالي وبرفان مستورد.. ريحة حياة سلمى كانت فاكرة في يوم من الأيام إنها هتبقى بتاعتها.
اللي كان قاعد ورا الدريكسيون هو "مازن". طليقها.
بدلة شيك، ساعة تمنها خيالي، ونضارة سودة. كل حاجة فيه كانت بتقول إنه غني فاحش، بس سلمى كانت عارفة كويس "الوساخة" اللي مستخبية ورا المنظر ده.
زعق فيها بقلة ذوق: "إوعي من السكة.. هتملي العربية تراب!"
في الكرسي اللي جنبه، كانت قاعدة ست شقراء، شفايفها مرسومة وضوافرها حمراء، بصت لسلمى بقرف. كانت لابسة فستان كريمي وغويشة ألماظ.. من نوع الستات اللي تحس إن رجليهم مابتلمسش

الأرض وهما ماشيين.
سألت بدلع مستفز: "هي دي طليقتك يا مازن؟ ده إنت كنت بتجاملها قوي.. دي شكلها يصعب على الكافر."
سلمى مردتش. فردت ضهرها شوية رغم الوجع، وبصت في عين مازن بهدوء، والهدوء ده هو أكتر حاجة كانت بتستفزه. هو كان بيكره النظرة دي من وقت ما سابها وهرب بفلوسها وفلوس أبوها اللي كان سايبها لها، ومن ساعتها والكل في البلد فاكر إنه هو اللي كسب؛ اشترى أراضي وعمل صفقات ووعد الناس بـ "تطوير" ومشاريع، وفي الوقت ده، سلمى كانت بتعافر لوحدها في بيت طين صغير.
بس اللي محدش عرفه، إن "الحاج هلال"، أبو سلمى، كان أذكى من الكل.
مازن خبط على الدريكسيون وزعق: "هتتحركي ولا لاء؟"
سلمى خدت نفس طويل وقالت: "الطريق يسع الكل يا مازن."
الست اللي جنبه ضحكت باستهزاء: "يا عيني على الشجاعة! يا حبيبي قول لها تزيح.. يا إما هنزل أنا أزيحها."
مازن كان لسه هينزل، بس فجأة تليفون العربية رن مكالمة دولية. وشه قلب ألوان في ثانية. رد بإيد بترعش، وصوت أجنبي اتكلم بالعربي بلكنة غريبة: "سيد مازن، مجلس الإدارة راجع العقود. في تلاعب في الورق. لو مقدمتش التنازل الأصلي من صاحبة الملك الحقيقية قبل نص الليل، المشروع هيتلغي وهنبلغ بتهمة التزوير. مفيش مهلة تانية."
المكالمة اتقفلت، وساد صمت تقيل في العربية.
مازن بص لسلمى، بس المرة دي مكنش فيها احتقار، كان فيها ذل واحتياج. سلمى حست بالورقة اللي مخيطاها بإيدها في بطانة شالها.. العقود الحقيقية للأرض والمطحنة
اللي مازن افتكر إنه سرقها.
نزل مازن وقال بلهجة آمرة: "اركبِي.. هنخلص الموضوع ده في ساحة البلد."
ردت عليه: "أنا مش هروح معاك في حتة."
قرب منها بتهديد قذر: "هتروحي. عشان لو ممضتيش، أوعدك إني مش بس هرميكي في الشارع، أنا هخلي معارفي يسحبوا منك العيال دي أول ما يتولدوا.. فاهمة؟"
التهديد ده خلى الدم يتجمد في عروقها، بس مش خوف، دي كانت اللحظة اللي قررت فيها إنها هتنهي اللعبة دي للأبد.
وصلوا لساحة البلد، والناس بدأت تتجمع. مازن كان عايز يذلها قدام الكل. طلع رزمة فلوس ورمى الفولدر على كبوت العربية وقال بصوت عالي: "الفلوس دي أكتر من اللي شفتيه في عمرك كله.. امضي على التنازل ده وغوري من البلد."
الفلوس وقعت على التراب قدام رجلها. الست اللي معاه، "ريهام"، رمت كوباية القهوة المثلجة على رجل سلمى وقالت بقرف: "عشان تنضفي نفسك شوية."
سلمى رفعت راسها وقالت بكل عزة نفس: "الفلوس مابتشتريش الشرف يا مازن.. وأنت شرفك ضاع من زمان."
مازن ضحك بهستيريا: "شرف؟ شوفي حالك.. ماشية شايلة حطب زي البهايم وبتتكلمي عن الشرف؟ امضي بدل ما أفضحك قدام الناس كلها."
سلمى نزلت حمل الحطب من على ضهرها بهدوء، وفكت غرزة في طرف شالها وطلعت ورق متغلف ببلستيك. مازن عينه برقت من الرعب.
"إنت مش محتاج أي تنازل يا مازن.. إنت محتاج إمضتي أنا عشان الأرض دي ملكي أصلاً."
في اللحظة دي، ظهر المحامي "متر لبيب" وقال بصوت عالي: "أنا أشهد على ده. الحاج هلال كتب كل حاجة
باسم بنته، ومازن زور الورق من سنتين. والبلاغ اتقدم في النيابة النهاردة الصبح."
الساحة اتقلبت. ريهام بصت لمازن بقرف: "إنت كنت بتغرقني معاك في تزوير؟" وسابته وركبت العربية ومشيت وعفرت عليه التراب قدام الكل.
مازن وقف لوحده، شكله صغر وعجز في لحظة.
بعد شهور، وفي عز المطر، سلمى ولفت ولدين زي القمر، "يحيى" و"ياسين". وبمساعدة أهل البلد، استردت أرضها وبدلت مشروع الفندق اللي مازن كان عايز يعمله بمدرسة فنية ووحدة صحية.
مازن مدخلش السجن، بس اتحكم عليه برد الفلوس وشغل مجتمعي. الراجل اللي كان بيلبس ساعات بالآلاف، بقى يشيل شكاير الإسمنت عشان يبني المدرسة في الأرض اللي كان عايز يسرقها.
بعد خمس سنين، البلد اتغيرت تماماً. وفي مدخل الجمعية الزراعية، سلمى عملت تمثال بسيط لست حامل وشايلة حطب ورافعة راسها، ومكتوب تحتها: "الكرامة أغلى من دهب العالم كله."
في يوم تخرج أول دفعة من المدرسة، سلمى شافت مازن من بعيد. كان واقف وسط العمال، هدومه قديمة وشقيان. بصلها وقلع برنيطته باحترام، وهي محستش تجاهه بكره، حست بس إن الحق رجع لأصحابه.
وقفت سلمى قدام الشباب وقالت بكلمات طالعة من القلب: "من سنين فاتوا، حاولوا يفهمونا إن الفقر عيب وإن الفلوس هي القوة. كانوا غلطانين. القوة الحقيقية هي الناس اللي بترفض تبيع كرامتها حتى وهي الشمس فوق راسها والوجع في ضهرها."
سلمى استردت أرضها، واسمها، ومستقبل عيالها.. وعرفت إن العدل ممكن يتأخر، بس لما بييجي،
بييجي بجد وبإيدين نظيفة.

تم نسخ الرابط