وجوه مستعارة
همست محدش اختارني في حفلة التبني وبعدها المليونير الهادي عمل الحاجة اللي مفيش حد رضي يعملها.
محدش اختارني.
إيميلي قالت الجملة دي بصوت واطي أوي، لدرجة إن حتى لمبات الفلورسنت كان صوتها أعلى من صوتها. الكلمات يا دوب عدت شفايفها، مكنتش موجهة لحد في القاعة، ولا كانت بتشحت بيها شفقة من حد. مكنتش موجهة للمتطوعين اللي بيضحكوا، ولا لموظفين المحكمة، ولا للأوصياء اللي لبسهم شيك، ولا حتى للعائلات اللي كانت بتظبط لبسها عشان الصور. الكلمات دي كانت موجهة بس للفراغ اللي قدامها، المساحة الضيقة اللي اتعلمت تحط فيها خيبات أملها عشان محدش يضطر يدوس عليها وهو ماشي.
محدش اختارني.. وعمرهم ما هيختاروني.
كانت قاعدة على كرسي معدن قابل للطي تحت إضاءة قوية ومزعجة. القاعة كانت مليانة ناس، بس الزحمة غير الانتماء. حواليها، كانت مراسم التبني ماشية في موجات رسمية دافية؛ صوت تقليب الورق، فلاشات الكاميرات، وبخار القهوة اللي طالع من كوبايات الفوم. المحضر كان بينادي الأسامي بصوت بيخلي كل حاجة تبان منظمة ومليانة أمل.
العائلات كانت بتميل على بعض بابتسامات مرسومة بدقة. ست في الصفوف الأولى كانت بتظبط كرافتة ابنها للمرة التالتة، وراجل ببدلة كحلي كان بيطبطب على كتف بنت صغيرة وكأنه بيطمن نفسه إنها فعلاً موجودة وبقت بتاعته. حد ضحك.. وحد عيط.. وبعدين القاعة كلها سقفت لعيلة إيميلي مسمعتش اسمها، لأن التسقيف بالنسبة لها مكنش صوت نجاح، كان صوت أبواب بتتقفل.
أول حاجة أي حد مركز هياخد باله منها في إيميلي هي جزمتها. جزمة بيضا فلات، مقشرة من قدام، ومتنظفة على قد ما حد يقدر ينظفها من غير ما يملك السحر إنه يخليها جديدة. كانت صغيرة
الجاكيت الصوف بتاعها كان خفيف أوي على جو فبراير في أوهايو. كان لونه لبني باهت، مغلول من كتر الغسيل لدرجة مابقاش له لون واضح. شعرها كان متسرح بمجهود، بس كان فيه خصلة مش راضية تنام مهما ضغطوا عليها. كانت ماسكة شنطة قماش خفيفة بإيديها الاتنين وضماها لركبها؛ جواها كان فيه ورق حكومي أتقل بكتير من اللي المفروض طفل يشيله، وكان فيه كمان كارت متني هي عاملاه بنفسها بقلم ماركر كان قرب يخلص وهي بتكتب الكلمات اختاروني. كتبتها ببطء وعناية، وتنتها مرتين عشان محدش يشوفها إلا لو هي عايزة.. وهي عمرها ما كانت عايزة.
الأطفال اللي في حالتها بيتعلموا حسابات غريبة اتمنى في سرك، واختفي قدام الناس. لو طلبت كتير بصوت عالي، الطلب نفسه بيبقى محرج. فكانت ماسكة الشنطة كأنها درع، وبتتفرج على أطفال تانية وهما بيتحولوا لأبطال في لحظات إنقاذ.
قدام، كان فيه زوجين بيصوروا مع القاضي، وولد صغير واقف بينهم شكله مذهول وناعس، والناس بتضحك عليه وكأن زهقه ده حاجة كيوت. إيميلي مكنتش حاقدة عليه، وده اللي الكبار دايماً بيفهموه غلط؛ بيفتكروا إن الأطفال اللي زي إيميلي بيقعدوا في الركن وهما مليانين غل، بس الغل محتاج مجهود، وإيميلي كانت
المتطوعة اللي شايلة الصينية عدت من قدامها مرة من غير ما تشوفها، مش قسوة، ودي كانت المشكلة؛ القسوة معناها إنك معترف بوجودي، لكن التجاهل أسوأ لأنه بيحسس اللي بيعمله إنه معملش حاجة غلط. الصينية عدت بجمالها كريمة فانيليا، مناديل ورقية، وكلمات مبروك بتتقال بصوت عالي ومبهج. إيميلي مبصتش للكب كيك تاني، دي كمان مهارة اتعلمتها متبصش على حاجة مش معمولة ليك.
في الناحية التانية من القاعة، ومن وسط هيصة العائلات، دخل راجل من الباب الجانبي وشايل فولدر. مكنش المفروض يكون له دور في يومها. لو حد سأل إيميلي بعدين شكله كان إيه قبل ما يقرب، كانت هتقول بدلة غامقة، يمكن كحلي أو أسود. الكبار في الأماكن دي بيلبسوا زي بعض؛ لبس غالي بس من غير منظرة، خطوط نضيفة، وجزمة مقاسها مظبوط. بس اللي كان بيميزه عن الباقيين مش البدلة، كان عدم التمثيل. مدخلش وهو بيضحك لحد، ولا كان بيدور على حد يعرفه، ولا جري ناحية القاضي أو الكاميرات. كان بيمشي زي راجل عنده مشوار محدد ونفسه يكون في أي حتة تانية غير هنا.
اسمه آل كارتر هيل، بس تقريباً محدش بقى بيناديه آل خلاص. في دواير البيزنس في كليفلاند هو كارتر هيل. في مجلات المال هو كارتر هيل. في قوائم المتبرعين والجمعيات الخيرية هو دايماً كارتر هيل. بنى شركة لوجستيات وبنية تحتية بتركيز جبار خلى الناس تنبهر بيه وتخاف منه في نفس الوقت. كان غني لدرجة إن القاعات شكلها بيتغير لما بيدخلها، وهو كان بيكره الإحساس ده،
كان جاي المحكمة الصبح عشان يمضي الورق النهائي لصندوق منح دراسية باسم بنته. عشان كده الفولدر كان أتقل من مجرد ورق. تلات سنين عدوا على أوضة المستشفى، تلات سنين على الأجهزة، وتلات سنين على الأسورة اللي لسه شايلها في جيب الجاكيت من جوه ومبيقولش لحد. تلات سنين من يوم ما الكون خد منه طفلة ومنتظر منه يرجع لمواعيد الشغل وكأن الحزن مجرد عطل فني خاص. عمل المنحة دي لأن الناس بتقول ده اللي بنعمله ب الحب اللي ملوش مكان بعد الموت؛ بتحوله لمنفعة، لحاجة لها اسم، لصندوق، لدرع تكريم. عمل كده ببطء وتردد، لدرجة ضايقت المحاسبين، وكان بيقول لنفسه إنه بمجرد ما يمضي الورق ده، المهمة هتخلص. مش الحزن اللي هيخلص، الحزن مبيخلصش، بس الواجب الرسمي هو اللي هيخلص.
مكانش عايز يبص للعائلات النهاردة، ولا يسمع تسقيف لبدايات جديدة وهو بنته مابقتش موجودة غير في ورق وصور وأسورة بلاستيك في جيبه. فنزل عينه وهو بيقرب من مكتب الموظف. في اللحظة دي التسقيف وقف، وفي الهدوء ده، كارتر لاحظ السكون. مش سكون درامي، سكون مبيفهموش غير اللي جرب يعني إيه فراغ وسط زحمة. طفلة لوحدها، قاعدة في نص حفلة أمل وكأن حد نسي يشيل الكرسي ده بعد ما خلصوا فرش القاعة.
بعدين هيقول إن الجزمة هي اللي لفتت نظره الأول. صغيرة أوي، ورجليها مفرودة بطريقة مش طبيعية عشان تخبي الوجع. بعدين الشنطة.. بعدين الدقن اللي كانت بتترعش وبتحاول تتماسك.. بعدين الوش اللي مكنش بيعيط ولا بيشتكي، كان بيتدرب