ثياب بالية وحساب بالمليارات

لمحة نيوز

كان صباح عادي في أفخم وأرقى فرع بنك في المدينة. المكان كله معمول علشان يرهب الناس العاديين ويستقبل الطبقة الثرية ثريات كريستال ضخمة معلّقة في السقف، وأرضيات رخام لامعة بتعكس الضوء بشكل مثالي، والهواء مليان برائحة عطور مستوردة وجلد فاخر. كل حاجة كانت ماشية بدقة وبرود زي ساعة سويسرية، وسط صمت ثقيل ما يعرفه غير أصحاب الأموال القديمة لحد ما الباب الدوّار اتحرك ببطء وكسر الهدوء ده.
دخلت امرأة بخطوات هادية، من غير استعجال. كانت لابسة بلوزة باهتة شافت أيام أحسن، وشورت بسيط بيكشف احتياج أكتر من أناقة، وصندل قديم واضح عليه تعب المشي. شعرها مربوط بشكل عشوائي، من غير مكياج يخبي آثار التعب اللي رسمها الزمن والشمس على وشها. لا دهب، ولا شنطة ماركة.
سلمى عبد الرحمن كانت، في نظر الموجودين، مجرد غلطة حد دخل المكان الغلط.
التناقض كان صادم. الهمسات وقفت فجأة. العملاء الأغنياء، ببدلهم الغالية وساعاتهم اللي تمنها قد عربية، بصّوا لها باستغراب وضيق. بعضهم مسك الموبايل وبدأ يصور في الخفاء، مستني اللحظة اللي الأمن هيطردها فيها.
من غير ما تهتم، مشيت سلمى للكاونتر.
صباح الخير، عايزة أعمل

تحويل لو سمحت.
صوتها هادي ثابت واثق.
الموظفة بصّت لها من فوق لتحت بنظرة استعلاء المبلغ قد إيه يا مدام؟
أحد عشر مليون قالتها ببساطة.
سكون تام ملأ المكان. كأن إزازة اتكسرت في كنيسة فاضية.
وبعدين انفجر الضحك.
خرج كريم منصور، مدير الفرع، من مكتبه الزجاجي وهو بيضحك أحد عشر مليون! شكلي بسمع غلط!
الكل بدأ يستمتع بالمشهد.
وقف قدامها وقال بسخرية
متأكدة إنك مش في بنك غلط؟ إحنا بنتعامل مع حسابات كبيرة.
أنا في المكان الصح ردّت بثبات.
ضحك تاني وقال لو عندِك فعلًا 11 مليون هنا أنا هستقيل فورًا ومش هرجع شغل البنوك تاني!
ضحك البعض لكن سلمى فضلت هادية.
يبقى راجع النظام قالت بهدوء.
من غير ما تضيف كلمة، راحت قعدت في الاستراحة بهدوء وكأن عندها كل الوقت في الدنيا. كريم كان واثق إنه كسب لكنه ماكنش عارف إن اللحظة دي هي بداية نهايته.
الجو في البنك بدأ يتغير. الصمت بقى توتر.
أما سلمى فكانت هادية كأنها تمثال.
هي من صغرها اتعلمت إن الناس بتحكم على المظاهر.
اتولدت في حي بسيط، بنت خادمة وسائق. الفلوس بالنسبة لها كانت بقاء مش رفاهية. وهي صغيرة كانت بتروح مع أمها تنظف بيوت الأغنياء، وهناك بدأت
تلاحظ كل حاجة
بيتكلموا إزاي، بيستثمروا إزاي، بيفكروا إزاي.
في سن 17، بدأت مشاريع صغيرة بإصرار شديد.
ماكانش هدفها تبان غنية هدفها تكون حرة.
وبعد سنين، بقت خبيرة استثمار لكن فضلت عايشة ببساطة، لأن القوة الحقيقية مش محتاجة استعراض.
وفي اليوم ده كان لازم تظهر.
الموظفة بدأت تراجع الحساب وفجأة وشها اتغير.
في مشكلة؟ سأل كريم بتوتر.
الحساب فيه عمليات كتير يمكن اسم متشابه قالت وهي مرتبكة.
كمّلي قال بغرور.
سلمى وقفت بهدوء لو في شك، كلموا المدير الإقليمي.
المدير مش بيكلم أي حد رد كريم.
أنا مش أي حد قالت ببساطة.
الموظفة بلعت ريقها يا فندم كل حاجة متأكدة الرقم، البيانات كله صحيح.
كريم بصّ على الشاشة ووشه اتجمّد.
الاسم سلمى عبد الرحمن
الرصيد 11247000
مش شركة مش خطأ هي.
الصمت كان قاتل.
كريم حس الأرض بتتهز تحته.
أكيد خطأ يمكن حضرتك ممثلة شركة
ينفع نكمل التحويل؟ قاطعته بهدوء.
الموقف خرج من إيده. مسك التليفون واتصل بالمدير الإقليمي
أستاذ أحمد في عميلة اسمها سلمى عبد الرحمن
عرفت مين هي؟ جاءه الرد ببرود.
لسه
ادّيها التليفون فورًا.
سلمى أخدت التليفون أيوه يا أحمد أنا هنا في الفرع
بصراحة التعامل مش لطيف لا، مش محتاج تيجي أنا هتصرف.
رجعت التليفون لكريم خلّص التحويل وبعدها ابدأ تكتب استقالتك.
الإهانة كانت كاملة.
اللي كانوا بيضحكوا عليه، بقوا يبصوا له باحتقار.
لكن سلمى ما خلصتش.
عايزة مسؤول خدمة العملاء قالت بصوت مسموع.
طلعت مشرفة أنا يا فندم.
كام شكوى عن سوء معاملة وصلت هنا السنة اللي فاتت؟
المشرفة اترددت كتير المدير كان بيصعّب الإجراءات على الناس اللي مش شكلهم مناسب.
وفجأة الكل بدأ يتكلم.
موظفين، عملاء حتى راجل كبير حكى إنه اتساب 3 ساعات برّه عشان لبسه بسيط.
المكان اتحول لمحكمة.
وكريم بقى المتهم.
وفي اللحظة دي، راجل كان قاعد ساكت قام كان مراجع حسابات من الإدارة العامة، جاي يحقق في الشكاوى.
بص لسلمى كأنه بيأكد النهاية بدأت.
بعد ما خلصت، سلمى خدت إيصال التحويل.
وقبل ما تمشي، بصّت للكل وقالت
اللي حصل النهارده مش عن الفلوس
ده عن إزاي بنتعامل مع اللي فاكرينهم ضعاف.
الاحترام مش سياسة شغل ده مقياس إنسانيتنا.
وخرجت بنفس الهدوء اللي دخلت بيه.
بعد كده، الفرع كله اتغير.
كريم اتفصل فورًا، واتطبقت قوانين جديدة.
لكن أهم تغيير كان في عيون الموظفين.
اتعلموا
إن قيمة الإنسان عمرها ما تتقاس بلبسه.
وأنت؟ لو كنت هناك كنت هتعمل إيه؟

تم نسخ الرابط