لقمة عيش حلال.. ودموع الندم

لمحة نيوز

فهد الجمال ما قدرش يغمض عينيه ولا لحظة طول الليل. المنظر ما كنش بيفارق خياله.. رشة إيد مروة وهي بتترعش.. نظرتها المكسورة وهي ساكتة.. كل ده كان بيطارده في كل ركن في القصر.
وفي لحظة هو نفسه مش فاهمها، قرر إنه لازم يمشي وراها. ركب عربيتة الفخمة وفضل ماشي وراها من بعيد لبعيد عشان ما تحسش بيه. مروة ما ركبتش تاكسي ولا حتى ميكروباص عدل، فضلت ماشية على رجليها مسافة طويلة لحد ما ركبت أتوبيس قديم ومزحوم لدرجة تخنق.
فهد تردد ثانية.. "أنا إيه اللي بيخليني أعمل كده؟"، بس الفضول والوجع اللي حس بيه خلاه يكمل وراها.
بدأت الشوارع تضيق، البيوت بقت متهالكة، والوجوه اللي في الشارع شايلة هموم الدنيا فوق كتافها. عالم تاني خالص غير القصور والشركات اللي فهد عايش فيها. نزلت مروة من الأتوبيس ودخلت في زقاق ضيق لحد ما وصلت لبيت صغير، حيطانه

مشققة وبابه قديم يا دوبك ماسك نفسه، والسقف تحس إنه هيقع في أي لحظة.
فهد قرب براحة وهو قلبه بيدق بطريقة غريبة، وقف جنب شباك مكسور وبص لجوه.. وهنا الدنيا اسودت في عينيه.
شاف الحاجة فاطمة مرمية على سرير بسيط، جسمها بقى جلد على عظم، ونفسها طالع بالعافية. ومروة قاعدة جنبها، ماسكة إيدها وبتبوسها بحنان الدنيا كله. طلعت مروة من شنطتها رغيف العيش وحتة الفاكهة اللي طردها بسببهم، وقالت بصوت مخنوق ومكتوم: "أنا جبت أكل يا تيتة.. ما تقلقيش، مش هننام جعانين النهاردة".
الجدة حاولت تبتسم بس مكنتش قادرة، وبدأت مروة تقطع العيش حتت صغيرة أوي وكأنها خايفة يخلص بسرعة.. وبدأت تأكلها بإيديها.
في اللحظة دي، فهد حس إن جبل وقع فوق دماغه. ما شافش "حرامية" زي ما كان فاكر.. شاف بنت بتصارع الدنيا عشان تنقذ أغلى ما عندها. حس بخنقة في زوره، ودموعه
نزلت لأول مرة من سنين. انسحب لورا وهو مش قادر يصدق إن كل الفلوس اللي معاه دي ما خلتوش يشوف الوجع ده قبل كدة.
فهد ما نامش للصبح، وصورة مروة وهي بتأكل جدتها مش بتفارق عينه. أول ما الشمس طلعت، ما رحش الشركة، رجع تاني للحارة الفقيرة دي وخبط على الباب. مروة فتحت وأول ما شافته اتجمدت مكانها، والرعب ملى عينيها: "أنا.. أنا آسفة يا فهد بيه.. والله ما كنت أقصد.. حرمت خلاص".
فهد قاطعها بصوت هادي وحنين هي ما سمعتوش منه قبل كده: "أنا اللي لازم أعتذر لك يا مروة.. حقك عليا".
مروة بصت له وهي مش مصدقة، دخل البيت وبص للحاجة فاطمة وقال لها: "حقك عليا يا أمي.. أنا اللي كنت أعمى". وبعدين بص لمروة وقال: "من النهاردة أنتي مش مطرودة، هترجعي شغلك، بس مش كدة وبس.. أنا هتكفل بعلاج الحاجة بالكامل في أحسن مستشفى".
مروة مكنتش مستوعبة الكلام، وكمل
فهد: "وكمان حلمك في التمريض مش هيضيع، أنا هكمل لك تعليمك وهقف جنبك لحد ما تتخرجي".
مروة انهارت من العياط، بس المرة دي كانت دموع فرح وسند. الحاجة فاطمة ابتسمت وقالت بصوت ضعيف: "ربنا بيبعت رزق الغلابة في الوقت الصح يا بنتي".
مرت الشهور، والحاجة فاطمة حالتها اتحسنت، ومروة رجعت لدراستها وبقت بتشتغل وتدرس في نفس الوقت وفهد بقى سندها. فهد نفسه اتغير، ما بقاش يشوف الموظفين مجرد أرقام، بقى بيدور على الحكاية اللي ورا كل وش.
وفي يوم تخرج مروة من كلية التمريض، فهد كان أول واحد واقف بيصقف لها وعينه مليانة فخر. مروة قربت منه وقالت له: "أنا وصلت هنا بفضلك بعد ربنا". هز راسه وقال لها: "لأ يا مروة.. أنتي وصلتي عشان أنتي بطلة وعمرك ما استسلمتي".
أوقات كتير الموقف اللي بنشوفه "غلط" بيكون صرخة وجع، وقرار واحد بالرحمة ممكن يغير حياة إنسان
بالكامل.
 

تم نسخ الرابط