السر الذي لم يغرقه الموج

لمحة نيوز


الرجل بهدوءٍ ثقيل المعنى
وجدناه داخل الجراب.
حدقت في الاختبار لثوانٍ طويلة ثم بدأت الحقيقة تتشكل في ذهنها ببطء كان الخطّان الورديان ما يزالان واضحين في نافذته الصغيرة رغم السنوات.
همست بدهشة
كانت حاملاً؟
أجاب فلوريس
من المرجح ذلك.
ساد الصمت في الغرفة صمتٌ ثقيل كأن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة فوجود هذا الاختبار لم يكن تفصيلًا عابرًا بل كان حقيقة صادمة قلبت القصة بأكملها رأسًا على عقب فإذا كانت ميريديث حاملاً في تلك الليلة فمن غير المعقول أن تغامر بالنزول إلى البحر في منتصف الليل ولا أن تسلّم جسدها للأمواج وهي تحمل في أحشائها حياةً أخرى لم تبدأ بعد.
وهنا بدأ الشك يتسلل إلى القصة كخيطٍ باردٍ في نسيج الحقيقة فإن كانت تلك الفرضية خاطئة
فربما كان كل ما بُني عليها خاطئًا أيضًا.
صمت المحقق لحظة ثم قال أخيرًا بصوتٍ حاسمٍ يقطر جدية
نعتقد أن الوقت قد حان لإعادة النظر في القضية.
في المساء كانت جانين تسير ببطء قرب المرسى والبحر قد ارتدى لونه الداكن بينما الريح القادمة من عرض الماء تضرب الألواح الخشبية تحت قدميها بنبرةٍ كئيبة فتمايلت القوارب الصغيرة في صمتٍ يشبه الهمس.
ظلت جانين غارقة في أفكارها عندما سمعت صوتًا خلفها ينادي
آنسة جانين.
استدارت لتجد امرأة مسنّة تقف على مسافةٍ قريبة عرفتها فورًا زوجة هارولد، التي تقيم منذ سنوات في البيت المجاور لمنزل الشاطئ.
اقتربت المرأة ببطء ثم قالت بصوتٍ خافت كأنها تخشى أن يسمعه أحد
احتفظت بهذا لنفسي خمس سنوات لكن ربما يجب أن تعرفي الآن.
شعرت جانين بأن قلبها تسارع فجأة ومن ثم سألت بقلقٍ واضح
ماذا تقصدين؟
خفضت المرأة صوتها أكثر حتى كاد أن يختفي مع صوت الريح
في الليلة التي اختفت فيها أختك رأيت قارب ماركوس.


اتسعت عينا جانين.
متى؟
قالت المرأة بعد لحظة
حوالي الساعة الثانية صباحًا.
تجمدت جانين في مكانها لأن ماركوس قال للشرطة إنه غادر منزل ديفيد في التاسعة مساءً ولم يعد بعد ذلك وهذا يعني شيئًا واحدًا فقط.
أحدهما كان يكذب إما ماركوس أو تلك السيدة العجوز ولكن ما مصلحتها في ذلك؟!
وقفت جانين للحظة عند المرسى والريح القادمة من البحر تضرب وجهها ببرودةٍ قاسية لم تكن تعرف ما الذي ينبغي أن تشعر به في تلك اللحظة.
أهو الخوف؟
أم الغضب؟
أم ذلك الإحساس الثقيل الذي يتسلل إلى القلب حين يدرك المرء أن الحقيقة كانت دائمًا قريبة لكنه لم يرها؟
قالت المرأة العجوز وهي تلقي نظرةً حذرة حولها
لم أقل ذلك للشرطة وقتها.
سألتها جانين ببطءٍ مشوبٍ بالدهشة
ولماذا؟
تنهدت المرأة وقالت
لم أكن متأكدة تمامًا كان الليل مظلمًا والقارب بعيدًا لكنني أعرف قارب ماركوس جيدًا.
ثم أضافت وهي تشير نحو المرسى
إنه القارب الوحيد هنا الذي يحمل مصباحًا أخضر في مؤخرته.
توقفت لحظة وكأنها تستعيد المشهد في ذاكرتها ثم قالت
رأيته يغادر ثم يعود بعد حوالي ساعة.
لم تجب جانين بل أخذت تحدّق في الماء الأسود تحت الرصيف كأنها تحاول أن ترى في عمقه صورةً ضائعة من تلك الليلة.
بعد دقائق قليلة شكرت المرأة بصوتٍ خافت ثم عادت تسير نحو منزل الشاطئ بخطواتٍ بطيئة.
طوال الطريق كانت الكلمات تتردد في رأسها بلا توقف.
قارب يغادر في الثانية صباحًا
لكن ماركوس قال إنه غادر في التاسعة مساءً وهذا الفارق الزمني لم يكن مجرد تفصيلٍ صغير بل كان ثقبًا واسعًا في روايةٍ ظنّ الجميع يومًا أنها كاملة.
في صباح اليوم التالي كانت جانين كالدويل تجلس مرةً أخرى داخل مكتب المحقق ريموند فلوريس في مونتيري كان الصباح هادئًا على غير العادة
والضوء الباهت يتسلل عبر النافذة ليقع على الأوراق المكدسة فوق المكتب.
وضعت جانين أمامه دفتر يوميات ميريديث بعناية ثم أعادت عليه ما قالته المرأة العجوز في المرسى ليلة الأمس؛ كل كلمةٍ سمعتها وكل تفصيلةٍ تذكرتها.
ظل فلوريس يستمع بصمتٍ عميق وعيناه ثابتتان على سطح المكتب يعيد ترتيب خيوط قصةٍ ظلت لسنواتٍ طويلة متشابكة.
ثم شبك أصابعه فوق المكتب وقال أخيرًا
إذا كان ما قالته تلك المرأة صحيحًا فهذه أول شهادةٍ تناقض رواية ماركوس.
رفعت جانين رأسها قليلًا وسألته
وما كانت روايته بالضبط؟
فتح فلوريس ملفًا قديمًا كان يرقد بين الأوراق أمامه فتصاعد من صفحاته شيءٌ من رائحة الزمن الغابر يقلّب الصفحات ببطء ثم قال
ماركوس ذكر في إفادته أنه كان مدعوًا للعشاء ليلة الجمعة.
ثم تابع وهو يقرأ
قال إنه وصل إلى المنزل حوالي الساعة السابعة مساءً وبقي هناك قرابة ساعتين.
رفع عينيه إليها قبل أن يكمل
ثم غادر في التاسعة.
صمت لحظة كأن الكلمات التالية أثقل مما تبدو عليه.
وأكد أن ميريديث وديفيد كانا بخير تمامًا عندما تركهما.
ثم أضاف بنبرةٍ هادئة
وفي صباح اليوم التالي عندما حاول الاتصال بهما ولم يتلقَّ ردًا فعاد إلى المنزل وقال إنه وجد الباب مفتوحًا.
تنهد فلوريس قليلًا.
وكان هو من أبلغ الشرطة.
ظل الصمت معلقًا بينهما للحظة ومن ثم سألت جانين بصوتٍ خافتٍ مشوبٍ بالحذر
وهل صدقتم ذلك؟
هز فلوريس كتفيه ببطء وقال
في ذلك الوقت لم يكن لدينا أي دليلٍ يقول العكس.
ثم فتح درج مكتبه وأخرج مجموعة من الأوراق ووضعها أمامه فوق الطاولة.
لكن الهاتف الذي عُثر عليه قد يغيّر أشياء كثيرة.
رفع أحد التقارير وأردف
الفريق التقني تمكن من استخراج بعض البيانات من الهاتف ليس كل شيء لكن الجهاز ما يزال
يحتفظ بسجل الرسائل.
مالت جانين قليلًا إلى الأمام وقد اشتد فضولها.
وماذا تقول الرسائل؟
قلب فلوريس الصفحة ببطء ثم قال
آخر رسالة أرسلتها ميريديث كانت في الساعة الثامنة واثنتين وأربعين دقيقة مساءً.
توقف لحظة قصيرة قبل أن يقرأها ثم قال بصوتٍ واضح
إنه هنا الآن.
رفعت جانين عينيها إليه ببطء وقد بدأ قلبها يخفق بعنف ومن ثم سألت بصوتٍ بالكاد خرج من بين شفتيها
من؟
أغلق فلوريس الملف ببطء ثم قال كلمةً واحدةً فقط
ماركوس.
بعد ذلك شرعت الشرطة في تفكيك تلك الليلة الغامضة وإعادة تركيبها من جديد لحظةً بعد لحظة كأنها تحاول استنطاق الزمن نفسه ليبوح بما أخفاه كانت التفاصيل القديمة تُستخرج من الذاكرة والوثائق لتتشكل منها صورةٌ تدريجية لليلةٍ بدأت عادية وانتهت إلى ظلامٍ لم يُفهم إلا بعد سنوات.
ليلة الجمعة.
الساعة السادسة مساءً.
في ذلك الوقت كانت ميريديث تقف في مطبخ المنزل الشاطئي تتحرك بخفةٍ بين الموقد والطاولة وهي تُعد العشاء على النار كان يغلي طبق المعكرونة المفضل لدى ديفيد بينما استقرت زجاجة نبيذٍ أحمر فوق الطاولة تنتظر أن تُفتح في أمسيةٍ كان يُفترض لها أن تكون هادئة ومبهجة.
كانت الطاولة قد أُعدّت لستة أشخاص والكراسي مصطفة بعناية حولها لكن الضيوف الآخرين اعتذروا في اللحظة الأخيرة.
وهكذا لم يبقَ حول تلك المائدة سوى ثلاثة أشخاص.
ميريديث.
ديفيد.
وماركوس.
عند الساعة السابعة تمامًا وصلت سيارة ماركوس إلى الطريق المؤدي إلى المنزل فكاميرا المراقبة المثبتة قرب المرسى قد سجلت مرورها بوضوح وهي تتهادى ببطء في الطريق الضيق المحاذي للبحر.
كان يرتدي معطفًا رماديًا داكنًا حين نزل من السيارة ثم تقدم نحو الباب بابتسامةٍ عريضة وفي يده زجاجة نبيذٍ أخرى جاء بها كهدية
في البداية بدا كل شيء طبيعيًا.
جلس الثلاثة حول الطاولة المطلة على البحر في الخارج كانت
 

تم نسخ الرابط