مؤامرة الدقيقة الأخيرة

لمحة نيوز

طرقة العمليات رقم 3 كان ريحتها مطهر، وهوا مكتوم، ونوع من الخوف اللي بيحول العائلات العادية لأعداء في أقل من ساعة. تحت نور الفلورسنت، الممرضات بيتحركوا بسرعة، وصوت جهاز ضربات القلب من أوضة قريبة كان منتظم وموتر للأعصاب. اتنين من الممرضين كانوا واقفين عند رجل السرير، مستنيين بس الورق يخلص عشان يزقوا "رفعت بيه المنشاوي" لغرفة العمليات. رفعت كان عنده 59 سنة، وشه شاحب وغایب عن الوعي تقريباً بعد نزيف داخلي حاد حول زيارة روتينية للدكتور لكارثة طبية.

على يمين السرير كانت واقفة مراته، "نورهان".
نورهان وصلت المستشفى بهدوم الشغل، وشعرها منكوش، وعينها فيها كمية خوف خلت الممرضة المسؤولة توطي صوتها وهي بتكلمها. نورهان كانت عندها 38 سنة، يعني أصغر من رفعت بأكثر من عشرين سنة، والحقيقة دي كانت "التهمة" اللي عيلة رفعت دايمًا بيستخدموها ضدها. بالنسبة لـ "الحاجة إنعام" (حماتها)، نورهان كانت صغيرة زيادة، وذكية زيادة، ومتعلمة زيادة، ورافضة إنها تقبل الإهانة تحت مسمى "التقاليد".

نورهان كانت ماسكة في سور السرير وبتحاول تسأل الجراح سؤال أخير عن نسبة النجاح. بس الحاجة إنعام قطعت كلامها قبل ما الدكتور يرد. إنعام عندها 78 سنة، ولسه بتفرض سيطرتها في أي مكان تدخله. قالت ببرود إن مفيش وقت لدراما نورهان، وإن الدكاترة محتاجين "توقيع" مش محتاجين "نمرة" جديدة.

ورقة الموافقة كانت في إيد إنعام، وده في حد ذاته خلى الجو مكهرب.


الدكتور في الأول سأل على "الزوجة"، نورهان قربت، بس إنعام قالت إن رفعت مش في وعيه وقرارات العيلة مينفعش تتساب لـ "حالة الهلع" اللي فيها نورهان. وخدت الورقة من الممرضة كأن الموضوع منتهي. وبحكم السن والتعود، محدش قدر يعارضها في اللحظة دي.

نورهان سألتها: "إنتي بتمضي على إيه يا طنط؟"
إنعام مردتش عليها، وقالت للدكتور "رامي الشاذلي" إن لازم حد يتصرف كأنه فرد من العيلة بدل الوقفة دي. وقالت ببرود مستفز إن فيه توقيعات بيبقى فيها "حكمة" أكتر من غيرها.

دكتور رامي قال إن قانوناً الزوجة هي اللي لازم تمضي، إلا لو فيه "توكيل رسمي" بيقول غير كدة. إنعام ردت بسرعة إن الورق ممكن يتظبط بعدين، المهم ننقذ ابني. وعبير (أخت رفعت) وقفت تأيد كلام أمها وتقول إن التأخير عشان إجراءات روتينية هيبقى "قسوة".

نورهان بصت في وشوشهم وفهمت اللي كانت خايفة منه سنين. دي مش لغبطة، دي "وضعة يد". جسم رفعت انهار، وعيلته بيحاولوا يسيطروا على كل حاجة قبل ما الحبر ينشف.
نورهان قالت: "أنا اللي همضي."

إنعام رفضت تديها الورق، وقالت بصوت هادي كأنه حنين بس هو كله إهانة: "القرار ده فيه أمور معقدة إنتي عمرك ما هتفهميها.. وضع رفعت له علاقة بالشركة، وبالبيت، وبترتيبات قديمة، وفي لحظات زي دي الناس المسؤولة بتفكر بعقلها مش بمشاعرها."
نورهان حست إن النفس هرب منها، لأن الموضوع مطلعش "موافقة على عملية" وبس. فيه حاجة تانية مستخبية جوه الاستعجال ده.

الدكتور بدأ يفقد أعصابه وسأل تاني: "مين اللي هيمضي؟" والممرضين بدأوا يتحركوا. الطرقة كأنها صغرت فوق دماغ نورهان وهي باصة للورقة اللي في إيد إنعام. ساعتها نورهان لمحت طرف ورقة تانية مستخبية ورا ورقة المستشفى. مصلعتش ورقة من بتوع المستشفى.. كان ورق قانوني.. عليه علامة مائية.. ومكان لإمضاء شهود.

وشها كله اتغير. هجمت لقدام، وإنعام حاولت تخبي الورق في حضنها، بس نورهان كانت أسرع، خطفت الورق من إيد حماتها، وبصت على الورقة القانونية المرفقة بذهول، وصرخت صرخة خلت الطرقة كلها تسكت:
"محدش هيخدر جوزي عشان يمضي على تنازل عن أملاكه وهو مستخبي جوه ورقة العملية!"

كل صوت في الطرقة وقف.. والدكتور رامي بص لإنعام بصدمة. الصرخة دي كانت بمثابة الزلزال اللي شق هدوء المستشفى المصطنع. إنعام، اللي طول عمرها بتفتخر ببرود أعصابها، وشها جاب ألوان الطيف، وإيدها بدأت تترعش من الغل لأن "البنت دي" كشفتها.

نورهان كانت ماسكة الورقة وإيدها بتترعش من القهر، وبصت للدكتور رامي الشاذلي وقالت له بصوت عالي: "بص يا دكتور! دي مش موافقة على عملية، ده (عقد بيع وتنازل) عن حصة رفعت في شركة (المنشاوي للمقاولات) لصالح أخته عبير، ومكتوب إن التوقيع ساري حتى في حالة الغيبوبة!"

الدكتور رامي سحب الورقة وبص فيها بسرعة، ملامحه اتغيرت وبص لإنعام بنظرة احتقار: "يا حاجة إنعام، إحنا في مستشفى مش في مكتب توثيق عقود.. اللي بتعمليه ده جريمة!"

إنعام

زعقت بجبروت: "أنا بحمي تعب عيلتي! ابني بيموت، ولو مات والست دي لسه على ذمته، هتاخد نص شقانا! أنا بس بضمن إن الفلوس تفضل في عيلة المنشاوي!"

في اللحظة دي، عبير حاولت تتدخل: "نورهان، إنتي مش فاهمة، إحنا كنا هنعمل كدة عشان مصلحة رفعت.."

(بعد العملية والإفاقة)
رفعت فتح عينه وبصوت مبحوح قال: "أمي عملت كدة؟ كانت عايزة تسرقني وأنا بموت؟"
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت إنعام ومعاها جيش من المحامين، بصت لنورهان بقرف وبعدين لرفعت بابتسامة مزيفة: "حمد لله على سلامتك يا حبيبي.. شفت الست اللي إنت مأمن لها؟ كانت عايزة تمنع الدكاترة ينقذوك عشان الورق والشكليات!"

رفعت رفع إيده ببطء وشاور لها تسكت. وبصوت فيه قوة، قال: "يا محامي.. اجهز بالورق.. اجهز بورقة (حرمان من الميراث) وورقة (منع تعرض).. وأي مليم إنعام أو عبير بياخدوه من حساباتي، يتوقف فوراً."

إنعام صرخت: "إنت بتقول إيه؟ أنا أمك!"
رفعت بص لها بدموع وقال: "الأم هي اللي بتحمي ابنها في عز ضعفه، مش اللي بتسرقه وهو متخدر.. اطلعي برا يا إنعام، وخدوا عبير معاكم.. ومن النهاردة، نورهان هي المسؤولة الوحيدة عني وعن كل ما أملك."

خرجت إنعام وعبير وهما بيجروا أذيال الخيبة، والفضائح بدأت تتسرب. نورهان حضنت رفعت وقالت له: "أنا معاك يا حبيبي، ومش هسيب حد يلمسك."
رفعت ابتسم لها وقال: "أنا اللي اخترت صح يا نورهان.. كنتِ دايمًا بتقولي إنك أصغر مني، بس النهاردة أثبتِ إنك

أكبر بكتير من عيلة كاملة ضيعت عمرها في الطمع."

تم نسخ الرابط