لماذا طردتني قطتي؟
في قلب القاهرة اللي عمرها ما بتهدى، والشارع فيها دايمًا مليان أصوات عربيات وناس ماشية ومستعجلة، كنت قاعد في عيادتي البيطرية الصغيرة أبص من ورا الزجاج على الدنيا وهي بتتحرك قدامي. مهنة الطب البيطري في مصر غريبة شوية… ساعات بتحس إنك مش مجرد دكتور بيعالج حيوانات، لأ، كأنك مستمع لأسرار بيوت كاملة. ناس كتير بتكلمني في نص الليل عشان قطة عطست، أو كلب موّاء بطريقة غريبة. بالنسبة لهم الحيوان مش مجرد حيوان… ده فرد من العيلة، وأي حاجة تحصل له بتوجعهم كأنها حصلت لحد منهم.
لكن مكالمة مدام آنا كانت مختلفة عن أي مكالمة جاتلي قبل كده.
صوتها في التليفون ما كانش فيه الهلع المعتاد، كان فيه حاجة تانية… تعب تقيل، إرهاق باين في كل كلمة. قالتلي بصوت مهذب جدًا لكنه مرهق:
"يا دكتور… أنا تعبت بجد. لونا بقت مريضة نفسياً… كل ليلة بتطردني من سريري ومش بتسيبني أنام."
استغربت طبعًا، لكن حجزتلها موعد.
تاني يوم دخلت العيادة، وأول ما شفتها فهمت قد إيه الكلام اللي قالته كان حقيقي. كانت ست مصرية راقية جدًا، شكلها من النوع اللي منظم حياته بدقة. في منتصف الخمسينات تقريبًا، لابسة معطف كحلي أنيق وحذاء كلاسيك مرتب، لكن كل الأناقة دي ما قدرتش تخبي الإرهاق اللي في وشها. الهالات السودا تحت عينيها كانت واضحة جدًا… زي حد ما نامش كويس بقاله شهور.
كانت شايلة صندوق القطة بإيدين حذرتين جدًا، كأنها شايلة قطعة أثرية غالية.
قعدت قدامي بهدوء، وفتحت الصندوق… فخرجت لونا.
قطة
بدأت مدام آنا تحكي.
قالت وهي بتتنهد:
"يا دكتور… لونا كانت أهدى قطة في الدنيا. جوزي الله يرحمه هو اللي جابهالي من سنين. بعد ما توفى بقت هي اللي بتونسني في البيت. عمرها ما عملت مشكلة… لحد من حوالي تلات شهور."
سكتت لحظة وبعدين كملت:
"من ساعتها كل ليلة نفس الكابوس. الساعة تلاتة الفجر بالظبط… تصحيني."
قلت لها: "إزاي؟"
قالت:
"في الأول تلمس وشي بمخالبها كده بهدوء… لو ما صحيتش، تبدأ تشد الغطا بعنف. ولو فضلت نايمة… تعض إيدي عضة صغيرة بس كفاية تصحيني. والمصيبة إنها ما تهداش غير لما أقوم من السرير وأسيب الأوضة كلها."
ضحكت ضحكة متعبة وقالت:
"أول ما أخرج أنام على كنبة الصالة… تدخل هي تاخد مكاني على المخدة وتنام بكل هدوء، كأن مفيش حاجة حصلت."
ابتسمت وأنا بسمعها، لكن فضولي كدكتور خلاني أفحص القطة كويس.
فحصت لونا بدقة… قلبها طبيعي، تنفسها ممتاز، فروها لامع، ردود أفعالها طبيعية جدًا. مفيش أي علامة مرضية خالص… لا جسدية ولا حتى سلوكية.
وهنا… بدأت فكرة غريبة تتكون في دماغي.
رفعت عيني لمدام آنا وسألتها بهدوء:
"لما لونا بتصحّيكي الساعة تلاتة
استغربت السؤال وسكتت شوية، وبعدين قالت:
"بصراحة… آه. بس أنا كنت فاكرة ده من الخضة. بصحى وقلبي بيدق بسرعة جدًا… كأنه هيطلع من صدري. وبحس إني مخنوقة… ومش عارفة آخد نفسي كويس. وبقي جاف كأني كنت بجري."
وقفت لحظة وبعدين كملت:
"عشان كده كنت باخد حباية تهدي ضربات القلب وأخرج للصالة. أول ما أبعد عن الأوضة وأقعد شوية في الهوا… النفس يرجع طبيعي."
بصيت لها بتركيز وسألتها سؤال تاني:
"حد قالك قبل كده إنك بتشخري بصوت عالي؟ أو إن نفسك بيقف وإنتي نايمة؟"
ارتبكت شوية وقالت وهي محرجة:
"مرة صاحبتي نامت عندي… قالتلي إني بصدر صوت غريب، كأني بختنق وبعدين آخد نفس فجأة. بس ما خدتش الموضوع بجدية… افتكرت ده تعب وخلاص."
في اللحظة دي بصيت على لونا.
كانت قاعدة على طاولة الفحص، عينيها على صاحبتها، بتراقبها بانتباه شديد.
وفجأة… فهمت.
المريضة ما كانتش لونا.
المريضة كانت مدام آنا.
قلت لها بهدوء لكن بجدية:
"يا مدام آنا… القطة دي مش مريضة خالص. بالعكس… دي ممكن تكون السبب في إنك لسه بخير لحد دلوقتي."
استغربت وقالت:
"إزاي يعني؟"
قلت لها:
"أنا شاكك إن عندك حاجة اسمها توقف التنفس أثناء النوم. لما بتنامي… نفسك ممكن يقف لحظات طويلة من غير ما تحسي. ده ممكن يسبب اختناق شديد وانخفاض في الأكسجين."
وبعدين أشرت للقطة وقلت:
"لونا واضح إنها بتحس بده. بتحس إن تنفسك اتغير… أو إنك مخنوقة. فبتحاول تصحيكي بأي طريقة.
سكتت لحظة وبعدين قلت:
"ولما تقومي من السرير وتروحي الصالة… وضع جسمك يتغير والهوا يبقى أحسن… فيرجع تنفسك طبيعي."
بصتلي مدام آنا بذهول حقيقي.
قلت لها بحزم:
"إنتي محتاجة تروحي لدكتور بشري فورًا. لونا مش بتطردك من السرير… لونا كانت بتبعدك عن الخطر."
مر أسبوع.
وفي صباح هادي في العيادة، رن التليفون.
كان صوت مدام آنا… لكن المرة دي كان مختلف تمامًا. صوت مرتاح… فيه حياة.
قالتلي بحماس:
"يا دكتور… عملت فحص للنوم في المستشفى. الأطباء اتصدموا. قالولي إن الأكسجين عندي كان بينزل لمستويات خطيرة جدًا وأنا نايمة… وكان ممكن يجلي جلطة أو توقف مفاجئ في القلب."
سكتت لحظة وبعدين قالت بابتسامة واضحة في صوتها:
"بدأت علاج وستخدمت جهاز تنفس مخصوص أثناء النوم. ومن يومها… لونا بطلت تصحيني."
ضحكت وقالت:
"دلوقتي بتنام جنبي طول الليل… بس بتحط راسها قريب من وشي وتفضل تخرخر كأنها بتتأكد إني بتنفس كويس."
قفلت المكالمة وأنا ببص على صور الحيوانات المعلقة على جدران العيادة.
وساعتها فهمت حاجة مهمة جدًا…
في روابط غريبة بين الإنسان والحيوان. روابط صامتة… بس عميقة بشكل مدهش. كائنات ما بتتكلمش لغتنا، لكن أحيانًا بتفهم أجسامنا وأرواحنا أكتر من أي حد.
لونا ما كانتش مجرد قطة.
كانت حارسة… ومنقذة حياة.
وأحيانًا في حياتنا، اللي بيزعجنا أو يصحينا من النوم… ممكن يكون في الحقيقة بينقذنا من خطر إحنا مش شايفينه.
قولّي بقى…
عمرك