في الثالثة فجرًا… حين أنقذتُ رجلًا من صمت بيته قبل أن يبتلعه

لمحة نيوز

في الليلة دي، الصوت اللي طلع من الكرسي اللي ورا ماكانش بكا عادي… كان صوت راجل قلبه اتكسر نصين.

الساعة كانت قربت على تلاتة الفجر لما وقفت قدام بوابة المستشفى العام. الهوا ساقع، والشارع فاضي كأن المدينة كلها نايمة نوم تقيل، ماعدا نور الطوارئ اللي بيترعش كده ويحسسك إن في حاجة كبيرة حصلت جوه.

الباب اتفتح بهدوء، وركب راجل من غير ما يقول كلمة. لا سلّم، لا حتى بصلي. كان شايل صندوق كرتون صغير مكتوب عليه “متعلقات شخصية”. حاطه في حضنه بإيده الاتنين، كأنه خايف يقع منه.

مشيت بالعربية سنة سنة. سألته:
“على فين؟”

قال من غير ما يبص:
“أي حتة… بس بعيد عن هنا.”

بصيت له في المراية. شكله في أواخر الخمسينات، بس التعب مزوّد عليه سنين. عينيه حمرا مش من السهر… من وجع أعمق بكتير.

السكوت كان تقيل. تقيل أوي.

فجأة قال بصوت مكسور:
“أربعين

سنة… أربعين سنة وهي معايا.”

ما سألتوش عن مين. الكلام كان واضح.

قال وهو بيبلع ريقه بالعافية:
“مشيت من ساعة. قالوا القلب تعب… بس الحقيقة إن الدنيا هي اللي تعبتها.”

رجلي خفّت عن البنزين لوحدها.

كمل وهو باصص قدامه:
“البيت دلوقتي هيبقى فاضي. كرسيها جنب الشباك، نظارتها على الترابيزة، كباية الشاي اللي كانت سايباها نصها…”

صوته وقف، بس أنفاسه كانت بتنهج كأنه بيجري.

لف وشه ناحيتي فجأة وقال:
“أدخل إزاي لوحدي؟ أفتح الباب وألاقي الصمت مستنيني؟ الجدران نفسها عارفة إنها مش هترجع.”

بصيت في التطبيق. بيته على بعد سبع دقايق بس. سبع دقايق وهنوصل، وهو هينزل، ويسيبه الصمت ينهشه.

من غير ما أفكر كتير، غيرت الطريق.

قال بقلق:
“إحنا رايحين فين؟”

قلت بهدوء:
“مش هترجع البيت دلوقتي.”

صوته شد:
“بس أنا لازم—”

قاطعته:
“محدش يستاهل يواجه

النوع ده من السكون لوحده في تلاتة الفجر.”

وقفت قدام مخبز قديم فاتح طول الليل. نوره أصفر دافي، وريحة العيش الطازة مالية الشارع.

نزلنا وقعدنا على ترابيزة خشب صغيرة. طلبت شاي بالنعناع وحاجات بسيطة ناكلها.

في الأول كان سرحان، عينه في اللاشيء.

سألته سؤال واحد:
“أكتر حاجة كانت بتحبها فيك إيه؟”

بصلي كأنه اتفاجئ. بعدين ابتسم ابتسامة باهتة بس حقيقية.

قال:
“كانت بتقول إني بضحكها حتى وأنا مش قاصد… وإن البيت من غير صوتي يبقى غريب.”

ومن هنا، الكلام فتح.

حكالي عن أول مرتب جمعه عشان يجيب لها خاتم بسيط. عن أول خناقة بينهم وضحكهم بعدها بساعتين. عن البحر اللي كانوا بيروحوه كل صيف. عن خوفها عليه لما يتأخر خمس دقايق.

كان بيحكي ودموعه بتنزل، بس صوته بقى أهدى. مش صوت واحد واقع… صوت واحد بيسترجع عمر عاشه بجد.

قعدنا أكتر من ساعتين.

ومع أول خيط نور دخل من الشباك، خد نفس عميق وقال:
“دلوقتي أقدر أرجع.”

وصلته البيت. بيت صغير، متظبط، واضح إن إيد ست كانت بتهتم بكل تفصيلة فيه. الورد في الجنينة لسه متسقي.

نزل، وبعدين رجعلي ومد إيده بفلوس.

قلت له:
“هات بيهم ورد جديد… وحطه مكانها.”

بصلي نظرة طويلة وقال:
“لو كنت دخلت البيت من شوية… يمكن ماكنتش استحملت.”

ما رديتش.

شوفته وهو بيفتح الباب سنة سنة، وقف لحظة قدامه، كأنه بيجمع شجاعته، وبعدين دخل.

قفلت التطبيق. ما اشتغلتش باقي الليلة. خسرت حساب تلات ساعات شغل.

بس كسبت حاجة أهم.

فهمت إن محدش قوي للدرجة اللي تخليه يستحمل وجعه لوحده. وإن الصحبة وقت الألم مش ضعف… الضعف إننا نقنع نفسنا إننا لازم نبقى جبال وإحنا من جوه بننهار.

وأنا سايقة راجعة، فضلت أفكر…

يا ترى لو كنت مكانه، كنت هتخبط على باب حد وتقوله

اقعد معايا شوية؟

ولا كنت هتدخل البيت ده لوحدك… وتسيب الصمت يعمل فيك اللي هو عايزه؟

تم نسخ الرابط