العروس التي لم تُدفن
العروسة ماتت في نص الفرح… أو على الأقل ده اللي كل الناس صدّقته. الفستان الأبيض كان لسه بيلمع تحت نور القاعة، الورد متوزع على الترابيزات، والمزيكا كانت شغالة من دقايق، وفجأة وقعت على الأرض قدام الكل. في ثواني الفرح اتقلب صريخ، والضحك بقى عياط، والعريس كان واقف مذهول كأنه مش فاهم إزاي اللحظة اللي استناها عمره كله تتحول لكابوس.
الإسعاف وصلت، والناس بتقول تسمم. حد قال يمكن أكلت حاجة. حد قال يمكن حد حسدها. محدش كان فاهم حاجة. وفي آخر اليوم، بدل ما تخرج من القاعة على عربية مزينة بالورد، خرجت على نقالة، رايحة المشرحة.
الصبح، موكب غريب وقف قدام المستودع الطبي. عربيات متزينة بشريط أبيض وورد، ناس لابسة سودة وشيك، بعضهم بيعيط وبعضهم سرحان. منظر يخض… زفة جاية تستلم عروسة من التلاجة بدل ما تزفها على بيتها.
العروسة كانت نايمة على الترولي، فستانها من الدانتيل نضيف كأنه لسه متفصل امبارح، شعرها متسرح بعناية، وبوكيه الورد على صدرها. شكلها هادي قوي… زيادة عن اللزوم. العريس ما كانش بيصرخ، ما كانش بيقع على الأرض من العياط. كان ماشي جنبها ساكت، عينه فيها نظرة غريبة… مش حزن وبس، حاجة تانية مستخبية.
في الممر كانت واقفة ممرضة لسه متعينة جديد في المكان. في الأول كانت بترتعش من الشغل في المستودع. كانت بتحلم بالحيطان الباردة وبالأبواب الحديد بالليل. رئيس الأطباء قال لها
"ما تخافيش من الميتين… الخطر في اللي ماشيين على رجليهم وبيبتسموا."
من يومها حاولت تقنع نفسها إن الجثث خلاص انتهت حكايتها. اللي يخوف بجد هو الأحياء.
بعد ما أهل العروسة مشيوا، الجثمان اتحط في الغرفة المخصصة. الدكتور بص بسرعة في الورق وقال إن التشريح بكرة، وإن سبب الوفاة واضح: تسمم. كل حاجة موقعة ومختومة.
الممرضة ما ارتاحتش. الجو في المستودع دايمًا ساقع، والجثث بتبرد بسرعة. لكنها لما قربت من العروسة حسّت بحاجة خلت قلبها يدق أسرع. خدودها وردي… مش رمادي. شفايفها مش مزرقة. كأنها نايمة بس.
مدت إيدها تلمس صوابعها… وسحبتها بسرعة. الجلد كان دافي.
وقفت لحظة، يمكن إحساسها غلط. لمست تاني. نفس الدفا. قربت ودنها من صدرها. في صمت المكان، سمعت صوت خافت… خافت جدًا… بس واضح.
نبض.
اتجمدت. رجعت لورا وهي حاطة إيدها على بقها. لو هي صح… يبقى البنت دي كانت هتتدفن حية.
جريت على مكتب الدكتور وقالت له إن العروسة عايشة. هو اتضايق، قام معاها بالعافية، فحصها قدامها، حط السماعة، شيّك على بؤبؤ العين، وبعدين قال ببرود إن الجسم بيحتفظ بحرارته ساعات، وإن ممكن يحصل انقباضات عضلية بعد التسمم. وإنها متخيلة.
خرج وسابها. لكنها كانت متأكدة إن اللي سمعته مش وهم.
بعد شوية، وهي واقفة قدام الترولي، حسّت إن صوابع العروسة اتحركت حركة خفيفة جدًا. انحنت عليها وهمست:
"
مفيش رد. بس الإحساس جواها كان بيقول إن في حاجة غلط.
ليلتها ما روحتش. ركبت كاميرا صغيرة في ركن الغرفة، موجهة على الترولي، من غير ما تقول لحد. الصبح بدري قعدت قدام التسجيل.
ساعتين عدوا عادي. وبعدين… حصل اللي خلّى دمها يتجمد.
العروسة اتحركت. أخدت نفس عميق. صوابعها تشابكت. وبعدها فتحت عينيها ببطء.
الممرضة كانت بتبص على الشاشة مش قادرة ترمش. بعد دقايق باب الغرفة اتفتح. الدكتور دخل… ومعاه العريس.
الصوت كان واضح في التسجيل. الدكتور بيقول:
"الجرعة محسوبة. النبض كان بطيء جدًا. رسميًا حالة وفاة. الورق سليم."
العريس رد بصوت متوتر:
"لازم نخلص بسرعة."
قربوا منها، ساعدوها تقوم. كانت ضعيفة، بس واعية. مش ميتة… ولا حتى تايهة.
الممرضة حست إن الدنيا بتلف بيها. فهمت فجأة إن مفيش تسمم عشوائي. كان في تخدير متعمد، غيبوبة محسوبة، إعلان وفاة رسمي… عشان خطة أكبر.
قبل الفرح بأيام، اتعمل تأمين حياة بمبلغ ضخم باسم العروسة. وفي حالة الوفاة، الفلوس تروح للزوج. غير كده، كان عندها نسبة كبيرة في شركة أبوها. طول ما هي عايشة، محدش يقدر يبيع أو يحرك حاجة غير بتوقيعها. لكن لو ماتت رسميًا، السيطرة تنتقل للزوج بصفته الوصي القانوني.
الخطة كانت شيطانية: تموت رسميًا، الفلوس تتحول، الشركة تتنقل ملكيتها، وبعدها “دفن سريع” من غير تشريح معمق. محدش يشك.
لكنهم
حفظت نسخة من التسجيل على فلاشة صغيرة. واستنت شوية… وبعدين دخلت مكتب الدكتور، بس المرة دي ما كانتش لوحدها.
كانت معاها العروسة نفسها.
لأن الحقيقة الأكبر إن العروسة ما كانتش ضحية زي ما الكل فاكر. كانت عارفة جزء من اللعبة… ووافقت تمشي فيها لحد آخر لحظة عشان تكشف كل حاجة. كانت شاكّة في العريس من فترة، واتفقت مع محامي أبوها تحط خطة مضادة. التأمين كان طُعم. والغيبوبة كانت بموافقتها، تحت إشراف طبيب تاني خارج اللعبة. لكن الدكتور ده خان الاتفاق وحاول يكمل الخطة لحسابه مع العريس.
الكاميرا قلبت الموازين.
لما التسجيل اتحط قدام الجهات المختصة، كل حاجة اتكشفت. التوقيعات، التحويلات، محاولات نقل الملكية. العريس ما بقاش قدامه غير الصمت، ونظرة الذهول اللي كانت في عينه أول يوم… رجعت له، بس المرة دي بجد.
العروسة خرجت من المستودع مش على إنها ميتة… لكن على إنها واحدة رجعت من تحت التراب قبل ما يتحط عليها. اختفت فترة، غيرت حياتها، رتبت أوراقها، وقطعت كل صلة باللي حاولوا يدفنوها وهي عايشة.
الممرضة اتعلمت درس عمرها ما هتنساه: مش كل جثة ساكتة تبقى ميتة… ومش كل دمعة في فرح تبقى صادقة. أوقات الحقيقة بتستخبى ورا هدوء مخيف، وأوقات النجاة بتيجي من إحساس صغير بنحاول نسكته.
والأغرب إن أكتر جملة كانت صح…
الخطر فعلًا
كان في اللي ماشيين وسطنا، لابسين شيك، وبيبتسموا.