أخذوا بصمتي
أول ما فوقت من البنج بعد ما فقدت ابني… كنت فاكرة إن أقسى حاجة ممكن تحصل لي حصلت خلاص. ما كنتش أعرف إن وأنا بين الحياة والموت، جوزي ما كانش ماسك إيدي يواسيني… كان ماسك صباعي عشان ياخد بصمتي.
ريحة المستشفى كانت خانقة… كلور في كل حتة، دوا، وبرودة معدن تخليك تحس إن المكان ده معمول عشان يحتفظ بالخسارة. فتحت عيني بالعافية، سقف أبيض منوّر زيادة عن اللزوم، صوت جهاز بيرن كل شوية، وجسمي تقيل كأنه مش بتاعي. بطني كانت فاضية… فاضية بطريقة توجع أكتر من أي جرح.
الممرضة قربت مني وقالت بهدوء متعود على المصايب: "البقاء لله… عملنا اللي نقدر عليه."
الكلمة وقعت عليا زي حجر. ما صرختش. ما انهارتش. حسيت بس بسقعة بتمشي في عروقي… كأن روحي انسحبت حتة منها ومش ناوية ترجع.
كان قاعد جنبي جوزي… ملامحه حزينة، راسه واطية، عامل نفسه مكسور. وأمه واقفة عند الشباك، دراعاتها متكتفة، باصة بره كأنها مستنية عربية توصلها مش مستنية حفيدها يتولد. ما شوفتش في عينيها دمعة. شوفت استعجال.
الوقت بعد كده بقى ضباب.
سمعت همس قريب مني قوي.
أمه بتقول بنبرة ناشفة:
"قلتلك الموضوع سهل… هي مش حاسة بحاجة."
هو رد بصوت بارد عمره ما استخدمه معايا قبل كده:
"الدكتور قال البنج تقيل… مش هتفتكر. خلصينا بس."
حسيت بإيدي بتترفع. صباعي بيتضغط على حاجة صلبة وباردة. شاشة.
همست أمه: "حوّل كل حاجة. ما تسيبش مليم."
قلبي كان بيخبط جوه صدري بس جسمي مش قادر يتحرك. كنت محبوسة جواه. سامعة حياتي بتتسرق قدامي ومش قادرة أقول لأ.
قال بهدوء مرعب:
"بكده نكون خلصنا. هنقولها الخسارة كسرتنا… الديون… أي كلام. هي أصلًا منهارة."
وسكت لحظة، وبعدين قال جملة عمري ما هنساها:
"وأخيرًا نبقى أحرار."
تاني يوم صحيت بجد. النور كان أقوى. الأوضة أهدى. وهو مش موجود. أمه مش موجودة. موبايلي مرمي على الترابيزة كأنه حاجة مالهاش قيمة.
الممرضة قالت لي إنه عدى الصبح وراجع الورق وطلب يخرجني النهارده. قلبي اتقبض. مسكت الموبايل بإيد بترتعش وفتحت تطبيق
الرقم قدامي كان صفر.
مش ناقص. مش قليل. صفر.
كل تحويشة عمري. كل فلوس حوشتها سنين عشان أأمّن نفسي. صندوق الطوارئ اللي كنت بقول عليه "لليوم الأسود". اليوم الأسود جه… وهو كان جاهز له.
دخلت على تفاصيل العمليات. تحويلات ورا بعض، الساعة واحدة وربع بالليل تقريبًا. قلبي وجعني بس مش من الصدمة… من الخيانة.
رجع بالليل، ووشه مش شايل الحزن اللي كان لابسه امبارح. قرب مني وقال بصوت واطي فيه شماتة:
"على فكرة… شكرًا لبصمتك. اشترينا بيت تحفة."
بصيت له… وبدل ما أعيط، ضحكت.
ضحكة غريبة حتى عليا.
هو اتلخبط. "إنتي بتضحكي على إيه؟"
قلت بهدوء:
"إنت فاكر إنك أخدت كل حاجة؟"
ابتسم بثقة اللي فاكر نفسه كسب.
ما يعرفش إن من شهور، يوم ما كسر اللاب بتاعي وقال "غلطة"، حاجة جوايا صحيت. بدأت أأمّن نفسي من غير ما أحسسه.
أي تحويل كبير كنت عاملة له تحقق إضافي. مش رسالة عادية. مش بصمة بس. سؤال أمان محدش يعرف إجابته غيري… وتأكيد من إيميل محدش عنده الباسورد بتاعه.
التحويلات كانت ظاهرة "معلقة". مستنية
فتحت الإيميل قدامه. رسالة بعنوان: نشاط غير معتاد. تأكيد أو إلغاء.
سألته وأنا باصة في عينه:
"البيت ده فين؟"
قال بفخر: "في منطقة راقية… لقطة."
هزيت راسي، وضغطت:
إلغاء التحويلات.
الإبلاغ عن عملية احتيال.
حظر الحساب.
الموبايل اهتز. رسالة تأكيد. الفلوس رجعت لحسابي. وتم فتح تحقيق.
وشه اصفر. أمه دخلت في اللحظة دي تقريبًا، ولسه بتبتسم. ابتسامتها وقعت أول ما تليفونها رن. سمعتها بتقول: "إزاي يعني؟!"
بصيت للممرضة وقلت بهدوء:
"ممكن الأمن لو سمحتي؟"
هو بص لي بنظرة كراهية وقال:
"بوظتي كل حاجة."
قلت له وأنا حاسة بقوتي بترجع حتة حتة:
"إنت اللي بوظت كل حاجة يوم ما افتكرت إني ضعيفة."
بعد ساعات كنت بتكلم مع محامي. الإجراءات بدأت. الفلوس بأمان. وهو بقى قدامه تحقيق مش بيت جديد.
أنا خسرت ابني… ودي خسارة مفيش حاجة تعوضها. خسرت جواز كنت فاكرة إنه أمان. خسرت وهم كبير.
بس ما خسرتش نفسي.
ما خسرتش كرامتي.
وما سبتش حد يستغل لحظة ضعفي عشان يسرق عمري.
في الليلة دي،
إن أقسى الخيانات بتيجي من أقرب الناس.