حسابات مؤجلة

لمحة نيوز

بعد ما دفنت أليخاندرو ورجعت بيتي في "غوادالاخارا"، كانت ريحة الورد اللي في الجنازة لسه لازقة في لبسي وفي مناخيري، ريحة الموت كانت محاوطاني من كل ناحية. طلعت السلم للدور التالت وأنا شايلة جزمتي في إيدي، كل خطوة كانت تقيلة، كأني بأجل لحظة دخول البيت اللي مابقاش فيه صاحبه.

أول ما فتحت الباب، الحزن اللي في قلبي اتبدل بذهول وصدمة. لقيت حماتي، "دونيا تيريسا"، واقفة في نص الصالة زي القائد اللي بيدي أوامر لجيش، ومعاها تمنية من قرايب العيلة نازلين لغ وبحث في كل حتة. فاتحين الدواليب، مطلعين الشماعات، ومكومين الكراتين في الطرقات كأنهم بيخلوا أوضة في فندق.

وعلى سفرة الأكل، كانوا حاطين المفاتيح وظروف وقائمة مكتوبة ببرود: "هدوم، أجهزة، ورق رسمي". حماتي بصت لي بمنتهى القسوة وقالت: "البيت ده بقى بتاعنا خلاص، وكل حاجة تخص أليخاندرو بقت ملكنا.. وأنتِ، اتفضلي بره".

ابن عمه "رودريغو" شال شنطة وبص لي بابتسامة صفرا وقال: "ما تاخديش الموضوع بشكل شخصي يا فاليريا، بس ده حق ربنا والمنطق". وقفت مكاني مذهولة، ببص للكنبة اللي كان أليخاندرو بيقعد يقرأ عليها، لبرواز صورتنا

في المصيف، للفازة اللي فيها ورد الجنازة.. كانوا دايسين على وجعي وحرمة بيتي ولا كأن في حاجة حصلت.

سألتهم وصوتي طالع بالعافية: "مين اللي سمح لكم تدخلوا هنا؟". حماتي شاورت على القفل وقالت: "معايا مفتاح، وطول عمره معايا، أليخاندرو ابني!". في اللحظة دي سمعت صوت كركبة في درج المكتب، حد بيقلب في ورقه.. صرخت فيهم: "محدش يلمس الورق ده!".

عمته "باتريسيا" ردت باحتقار: "وأنتِ تطلعي مين عشان تأمري؟ أرملة مكسورة الجناح، مالكيش كلمة هنا". كلمة "أرملة" نزلت عليا زي السكينة، كأنهم بيمسحوا وجودي بكلمة.

ساعتها، ضحكت.

ضحكت بصوت عالي لدرجة إن الكل سكت وبص لي باستغراب، حماتي افتكرت إني اتجننت من الصدمة وقالت: "أنتِ جرى لعقلك حاجة؟". مسحت دمعة من عيني وقلت لهم بهدوء: "أنتم فاكرين إن أليخاندرو مات وسابكم تنهبوا؟ فاكرين إنه كان مجرد ابنكم وأنتم الورثة الوحيدين؟".

رودريغو قال وهو بيجز على سنانه: "مفيش وصية، إحنا دورنا في كل حتة وملقناش حاجة". ابتسمت وقلت له: "طبعاً مش هتلاقوا، لأنكم عمركم ما عرفتم أليخاندرو الحقيقي، ولا تعرفوا هو وقع على إيه قبل ما يموت".

مشيت ناحية

المكتب بخطوات ثابتة، مكنتش الأرملة الضعيفة اللي شافوها الصبح، كنت ست بتسترد أرضها. رودريغو حاول يقف في طريقي بس نظرة عيني خلته يتراجع خطوتين لورا.. فتحت الدرج، كنت عارفة إن في "فلاشة" سودا صغيرة هو دايماً بيشيلها هنا، ملقيتهاش. عرفت إن في حد مد إيده وسرقها، بس مكنش فارق معايا.

طلعت موبايلي وطلبت رقم المحامي "راميريز". أليخاندرو كان مديني الرقم ده في يوم وكنا بنهزر في المطبخ، قالي: "لو عيلتي بقت حمل تقيل عليكي في يوم، اطلبي الرقم ده ومتناقشيش". المحامي رد وأكد لي إن في "عقد حق انتفاع" متسجل رسمي في السجل العقاري، وبصوت عالي سمّع الكل: "أنتِ ليكي حق السكن والانتفاع بالبيت ده لوحدك طول عمرك، وأي حد يحاول يخرجك بيعتبر بيخالف القانون".

القاعة سكتت تماماً، والكل وشوشهم جابت ألوان. رحت شلت لوحة رخيصة أليخاندرو كان معلقها ع الحيطة، وطلعت من وراها ظرف فيه أختام رسمية.. كان عارف إنهم هيدوروا في الأدراج، فخباها في أكتر حتة مكنش يخطر على بالهم يبصوا فيها.

حطيت الورق ع السفرة وقلت لهم: "أليخاندرو مأمن كل حاجة، الشقة دي حقي مدى الحياة، والشركة والحسابات كلها

متأمنة باسم شركة تانية هو عملها بعيد عنكم.. لو حابين نتقابل في المحكمة أنا جاهزة".

حماتي بدأت تصرخ: "ده تزوير! ده ابني!"، بس الورق كان أقوى من صراخها. طلبت الشرطة عشان يخرجوا، وفعلن جم وشافوا الورق وأجبروهم يسيبوا كل اللي في إيديهم ويخرجوا. وهم طالعين بيجروا شنطهم الخايبة، حماتي قربت مني وهمست بغل: "مش هتعرفي أنتِ وقعتي مع مين"، رديت عليها ببرود: "وأنتم كمان مكنتوش تعرفوا ابنكم اتجوز مين".

قفلت الباب وراهم، وتكة القفل دي كانت كأنها قفلت فصل أسود من حياتي. قعدت ع الأرض وطلعت كل العياط اللي كان محبوس جوايا.. بكيت لأني نجوت، بكيت لأن الراجل اللي حبيته محمانيش بس وهو عايش، ده ساب لي درع يحميني وهو ميت.

تاني يوم، غيرت قفل الباب، وبقى معايا نسخة واحدة في شنطتي ونسخة مخبياها. شلت صورة أليخاندرو، مسحتها وعليتها في حتة عالية الشمس بتدخل لها كل يوم. بصيت لصورت وهو بيضحك وقلت له: "ماتقلقش، محدش هيدخل هنا تاني بقلة أدب".

البيت مابقاش ساحة معركة، بقى مملكتي. وفهمت إن الحداد مش بس لبس أسود، ده ولادة لست جديدة بتعرف تقف على رجليها وتعرف إن الحب الحقيقي مبيسيبكش

عريان قدام طمع الدنيا.

تم نسخ الرابط