توأم غير متوقع

لمحة نيوز

أخويا الطيّار جه ليا وسألني، صوته مش طبيعي، مخنوق كده كأنه بيحاول يسيطر على حاجة أكبر منه: "مراتك عندك في البيت؟"
كنت واقف في المطبخ في نيبورفيل، إلينوي، وبصّ على لورين وهي حافية لابسة الكارديجان الرمادي اللي جبتهولها في الكريسماس اللي فات، وبتقطع فراولة في طبق سيراميك. نور الصبح واقع على شعرها العسلي، وقلتله بهدوء: "أيوه، في المطبخ." سكت ثانية وقال: "مستحيل!" مسك الرخامة جامد وقال: "لسه طالعة على رحلتي… قاعدة 2A في درجة رجال الأعمال… وأنا شايفها بعيني قدامي!"

بصيت لمراتي وهي بتحط السكينة في مكانها وتبتسملي وتسألني قهوة، حسّيت إن عقلي اتقسم نصين. أخويا بيقول شايفها هناك… وأنا شايفها هنا قدامي، حقيقية، بتتحرك وبتتنفس. طلبت منه صورة، مع إن مكنش ينفع يطلع موبايله، لكنه بعتلي لقطة سريعة من بعيد.

شوفت فيها واحدة شبهها بشكل مرعب… نفس المعطف الأزرق، نفس الشنطة الجلد، نفس تسريحة الشعر، حتى طريقة ميلان راسها وهي بتتكلم مع الراجل اللي جنبها… نسخة طبق الأصل. مفيش أي حاجة في الصورة تدل على علاقة غريبة أو حاجة غلط، مجرد اتنين قاعدين بيتكلموا عادي… يمكن زملاء شغل، يمكن أقارب، يمكن صدفة. بس التشابه كان مرعب لدرجة إني مش قادر أصدق حواسي.

مراتي في المطبخ بتسألني آكل إيه، وأنا ببص على الصورة ومخّي بيحاول يلاقي تفسير منطقي. ده شغلي طول عمري، أدور على الحاجة اللي مش راكبة على بعضه وألاقي لها تفسير بالورق والأرقام، مش بالمشاعر. سألت أخويا عن رقم الرحلة ووقت الإقلاع ووصف الشخص اللي جنبها، وبعتلي التفاصيل كلها. أنا قررت أتعامل مع الموضوع زي أي قضية

عندي، محتاجة بيانات أكتر.

أول خطوة، اتأكدت إن لورين قدامي مش مجرد إحساس. قربت منها أكتر، كلمتها، لمست إيدها، سألتها عن يومها ومواعيدها. فجأة افتكرت إنها عندها مؤتمر أونلاين بعد الظهر، وورّتني الإيميل على اللابتوب… كل حاجة طبيعية جدًا. وفي نفس الوقت، الصورة على الموبايل بتقول إن في نسخة منها على طيارة رايحة سياتل.

طلبت من أخويا بعد ما الطيارة استقرت في الجو إنه يسأل طاقم الضيافة يتأكدوا من اسم الراكبة في الكرسي 2A من غير ما يلفتوا نظر حد. وبعد شوية بعتلي رسالة قصيرة: الاسم مش لورين… الاسم كان لورا هاريس. وقتها حسّيت إن صدري بدأ يرجع يتنفس طبيعي، لكن فضلت عايز أتأكد أكتر.

طلبت منه يبعتلي صورة أوضح لما الظروف تسمح، ولما وصلوا وبعتلي صورة تانية، اتضح إن الشبه فعلاً كبير جدًا، لكن فيه اختلافات بسيطة… لون العينين أفتح، سنة، خط الابتسامة مختلف، تفصيلة صغيرة في شكل الأنف… حاجات ما تتلاحظش من أول نظرة، لكن موجودة لما تدقق.

رجعت بصيت لمراتي، هي بتضحكلي وبتسألني مالك ساكت ليه… حكيتلها كل حاجة من غير توتر ومن غير اتهام. ضحكت في الأول، وبعدين اتفاجئت قد إيه الشبه ممكن يعمل لخبطة بالشكل ده. قعدنا ندور على اسم الراكبة على لينكدإن… لقينا فعلاً سيدة أعمال من سياتل صورتها قريبة جدًا من شكل لورين، لدرجة إني كنت ممكن أتخلّط لو شوفتها من بعيد.

الموضوع اتحول من صدمة مرعبة لغز ظريف… قد إيه العالم واسع ومليان ناس شبه بعض أكتر ما نتخيل. أخويا لما رجع حكى لنا إنه نفسه كان مصدوم وإنه ما صدقش غير لما شاف الاسم الرسمي في قائمة الركاب. وفي الآخر، اللي

حصل ما كانش خيانة ولا سر غامض… بس درس قاسي في قد إيه عقولنا ممكن تكمل الصورة بسرعة زيادة عن اللزوم لما تتفاجئ بحاجة مش منطقية.

رجعت يومها لشغلي وأنا بفكر… حتى في مهنتي المبنية على الأدلة، أول انطباع ممكن يخدعك لو استعجلت الحكم. ولورين فضلت تهزر معايا أيام بعدها عن توأمها الضايع في سياتل. إيثان كل ما يشوف حد شبه حد يتصل بيا يقول: "اطمن، مراتك في البيت ولا على طيارة تانية؟"

في النهاية، الحياة رجعت لطبيعتها، لكن اليوم ده فضل محفور في ذاكرتي… مش عشان خبط مشاعر أو شك، لكن عشان ذكرني إن الحقيقة دايمًا محتاجة صبر وتحقق، وإن مش كل حاجة تبان غريبة تبقى كارثة… أحيانًا بتكون مجرد مصادفة مدهشة.

بعد أسبوعين، كنت فاكر الموضوع خلص، لكن تأثيره جوايا كان أعمق. شغلي علمني إن المصادفات نادرة، ولما بتحصل بالشكل ده لازم أبص لها من كل الزوايا… مش عشان شك، لكن عشان أفهم الصورة كاملة. فعلاً بدأت أتعامل مع الموضوع بعقل المراجع الجنائي مش بعقل الزوج.

دخلت على مواقع السفر وشفت قائمة الركاب، تأكدت من اسم لورا هاريس، ورجعت لصورها على الإنترنت، قعدت أقارن بينها وبين لورين… صورة صورة، كأني بصنع ملف تحقيق. وفي مرة وأنا بوري لورين المقارنات، ضحكت وقالتلي: "إنت حولت الموضوع لقضية رسمية!"… قلت لها: "ده طريقتي أفهم بيها الدنيا."

اقترحت لورين نتواصل معاها ونعرف لو هي كمان اتلخبطت. بعثنا رسالة مهذبة، نشرح فيها الموقف من غير أي دراما. يومين بعد كده، جالنا رد مليان اندهاش وضحك من لورا، تحكي إنها اتعرضت لموقف مشابه في مطار دنفر. ومن هنا بدأت مراسلات خفيفة… اتفاجئت

إن بينهم نقاط شبه مش بس في الشكل، لكن كمان في بعض الاهتمامات المهنية.

بعد شهر تقريبًا، اتعزمت أنا ولورين على مؤتمر مهني في بورتلاند، واتفقنا إنها هي ولورا يقابلوا بعض وجهًا لوجه. كنت حاضر… لما الاتنين وقفوا قصاد بعض في بهو الفندق، نفس الطول، نفس طريقة الوقفة، نفس الابتسامة الخفيفة اللي بتيجي قبل الضحكة… حتى نبرة الصوت فيها تشابه بسيط.

لكن الاختلافات كانت واضحة… لون عينين مختلف، حركة إيدين أسرع عند لورين، طريقة التفكير مختلفة… التفاصيل الصغيرة بتثبت إن كل إنسان متفرد مهما كان الشبه قوي. قعدنا الأربع ساعات نحكي ونقارن ونضحك على قد إيه الحياة ممكن تعمل مفاجآت من غير تخطيط. اتحولت اللحظة اللي بدأت بارتباك شديد لصداقة غير متوقعة بين عيلتين في ولايتين مختلفتين.

حتى بعد ما رجعنا بيتنا في نيبورفيل، القصة دي فضلت تطلع كل شوية في كلامنا… تذكير إن أول انطباع مهما كان مقنع ممكن يكون ناقص، وإن التفسير البسيط أحيانًا هو الصح. وده علمني إن مش كل لغز وراه خدعة، ومش كل صورة غامضة معناها واقع مزدوج. الحقيقة أحيانًا بتكون عادية جدًا لدرجة ما تصدقهاش بسهولة.

ومن يومها، كل ما أواجه رقم مش راكب على بعضه في شغلي، أفتكر المشهد ده… وأدي لنفسي مهلة أطول قبل ما أحكم. لو سيبت مخي يجري أول خمس دقايق يومها، كنت ممكن أخلق قصة كاملة من لا شيء. لكن اللي حصل كان أبسط، أهدى، وأجمل من أي حبكة درامية… مجرد مصادفة نادرة فتحت باب تعارف جديد، وخلتني أرجع أبص لبيتي ولمرأتي ولشغلي بعين أهدى، أكثر تقدير لفكرة إن العالم واسع بما فيه الكفاية إنه يكرر الوجوه، لكنه دايمًا

يسيب لكل روح بصمتها الخاصة.

 

تم نسخ الرابط