ليلى للكاتبة اماني السيد

لمحة نيوز

ليلى كانت واقفة ورا باب المطبخ، ماسكة صينية القهوة اللي بتعملها كل يوم بإيدين مليانين تعب وحب. كانت ناوية تدخل تضحك وتقول كلمتين حلوين، زي عادتها. لكن رجليها اتسمرت لما سمعت صوت فايزة، أخت جوزها، وهي بتضحك الضحكة التقيلة اللي دايمًا وراها سم.

قالت وهي بتمط الحروف:
ـ يا محمود يا روحي، ليلى طيبة وكل حاجة، بس خلاص بقت قديمة. موديل فات عليه الزمن. إنت محتاج واحدة تشرفك وسط الناس، واحدة تعرف تتكلم إنجليزي وفرنساوي، تبان في الصور. ليلى آخرها مطبخ وعيال.

قلب ليلى دق بعنف. استنت كلمة من محمود… كلمة واحدة بس يدافع بيها عنها. يفتكر إنها شالت أمه المريضة سنين، وإنها كانت واقفة جنبه وهو بيعد فلوس الإيجار جنيه جنيه. لكنها سمعت صوته طالع بارد، من غير روح:

ـ عندك حق يا فايزة. ليلى بقت زي كرسي قديم في البيت… متعود عليه بس مفيهوش أي لمعة. أنا رتبت كل حاجة مع ريهام. وافقت. بس محتاج أطلع ليلى من الصورة بهدوء… من غير فضايح وصداع.

ضحكة فايزة جت خبيثة:
ـ سهلة قوي. قولها الشقة فيها رطوبة وعايزة

تجديد، وانقلها شقة ماما شوية. وهناك بقى خليه بعد، وهي لوحدها هتزهق وتطلب الطلاق.

المعلقة وقعت من إيد ليلى على الأرض، صوتها فرقع في الصالة. سكتوا لحظة. ليلى رجعت خطوة لورا بسرعة قبل ما حد يشوفها. الغريب إنها ماعيطتش. ولا حتى شهقت. كان في حاجة جواها اتغيرت فجأة… حاجة أقسى من الدموع.

دخلت أوضتها الصغيرة اللي كانوا بيعتبروها مخزن، لكنها كانت عالمها الحقيقي. مرسمها. بصت على لوحة كانت بترسمها لمحمود عشان عيد ميلاده. مسكت الفرشة، غمستها في الأسود، وبحركة واحدة مسحت ملامحه. كأنها بتمسحه من حياتها.

مسكت موبايلها واتصلت برقم قديم.
ـ ألو… أستاذ جلال؟ أنا ليلى بنت أستاذ سامي. محتاجة أستشيرك في إجراءات خلع… وكمان تسجيل حقوق ملكية فنية. أيوه، بكرة الصبح.

الأسبوع اللي بعده، ليلى كانت بتمثل دور الزوجة الهادية بإتقان يخوّف. بتسمع همساتهم عن الشقة الجديدة والفرح، وبتبتسم كأنها مش سامعة. وفي نفس الوقت، كانت بتنقل لوحاتها واحدة واحدة لأتيليه صغير في حي راقي، بعيد عن عيونهم. عم جلال فاجأها

لما قالها إن لوحاتها اللي كانت بتتباع باسم مستعار جابت رصيد محترم في البنك… رصيد محمود ما يعرفش عنه حاجة.

في يوم، دخل محمود عليها بابتسامة مصطنعة:
ـ ليلى يا حبيبتي، الشقة هنا باظت من الرطوبة. فكرت ننقلك إنتي والولاد شقة ماما شهرين لحد ما أعمل ديكور مودرن… يليق بينا.

بصتله بهدوء غريب وقالت:
ـ عندك حق. البيت محتاج تجديد شامل فعلًا. أنا هبدأ ألم حاجتي من بكرة.

كان فاكرها هتلم هدومها. لكنها كانت بتلم نفسها من حياته.

يوم الفرح جه. القاعة منورة، محمود لابس بدلة عريس، ريهام واقفة جنبه بتسأل عن الشبكة الألماظ. فايزة بتلف وسط الناس بفخر.

فجأة تليفون محمود رن. عامل ديكور بيصرخ:
ـ يا باشمهندس، الشقة فاضية! مفيش حاجة! حتى المفاتيح متشالة! وفي لوحة كبيرة في نص الصالة وعليها ظرف باسمك!

ساب الفرح وجري. وراُه فايزة. دخلوا الشقة… لقوها على المحارة. مفيش عفش، مفيش نجف، مفيش أثر لسنين.

في نص الصالة لوحة ضخمة متغطية بقماش. شاله محمود. شاف نفسه مرسوم نصه بني آدم وسيم… ونصه التاني شيطان،

من بقه طالعة تعابين شبه ملامح فايزة.

تحت اللوحة ظرف. جواه:

إنذار خلع رسمي متقدم من أسبوع.
شيك بمبلغ بسيط مكتوب عليه: “ثمن العشرة اللي بعتها.”
دعوة لمعرض فني عالمي في دبي باسم: “ليلى الشناوي – التحرر من القيد”.

فايزة صرخت:
ـ دي سرقت العفش!

لكن محمود كان واقف قدام اللوحة مش قادر يتكلم. فهم متأخر إن الست اللي كان شايفها قطعة أثاث… كانت بتبني إمبراطورية وهو مش واخد باله.

بعد سنة…

محمود قاعد في شقته المودرن، باردة وفاضية. ريهام سابته لما فلوسه قلت بسبب قضايا النفقة اللي ليلى كسبتها. فايزة اختفت لما الصرف وقف.

فتح التلفزيون. لقى لقاء مع “الفنانة العالمية ليلى الشناوي”. واثقة، لابسة شيك، بتتكلم عن معرضها الجديد.

المذيعة سألتها:
ـ تحبي تقولي إيه لكل ست حاسة إنها مهمشة؟

ليلى بصت للكاميرا بنظرة ثابتة وقالت:
ـ ما تكونيش كرسي في بيت حد. كوني إنتي البيت… وإنتي اللي معاكي المفتاح.

محمود قفل التلفزيون. سكت. لأول مرة يحس إن البيت اللي كان فاكره ملكه… عمره ما كان بتاعه.

والـ “موديل

القديم”… طلع الأصل النادر اللي هو ضيعه بإيده.

اماني السيد

تم نسخ الرابط