عوض ربي نرمين عادل همام
سعاد وقفت قدام باب شقتها وقلبها بيدق، ولما فتحت لقت الصدمة اللي مكنتش تتخيلها؛ كرتونة صغيرة فيها طفلين توأم، ولد وبنت زي الملائكة، عمرهم ميكملش أربع شهور، وصوت صريخهم من الجوع كان يقطع القلب. سعاد اتخمدت في مكانها وركبها سابت، ومقدرتش حتى تلمسهم من كتر الرعب والذهول، جريت على الجيران تسأل وتستفسر، لكن الكل نفض إيده وقالولها ببرود "يا ست سعاد ارميهم في أي خرابة ولا على جنب الطريق والشرطة هتاخدهم، إنتي ناقصة وجع دماغ ومسؤولية؟".
رجعت سعاد شقتها وقفتلت الباب وهي بتفتكر حلمها القديم وشوقها للضنا اللي اتحرمت منه 40 سنة، حست فجأة بسلام وهدوء غريب ملى قلبها، وقالت لنفسها إن اللي سابهم هنا أكيد هيرجع، ويمكن ده اختبار من ربنا لصبرها وأمانتها. شالت الكرتونة ودخلت،
مرت الأيام وظهرت "نعمة"، الست اللي كانت بتراقب من بعيد، ودخلت بيت سعاد وهي مهدودة من التعب والمرض. نعمة اعترفت لسعاد إنها هي الأم اللي سابتهم، وإنها اشتغلت خدامة في البيوت ليل نهار عشان تجمع قرشين وتطمن عليهم، وقالت وهي بتعيط بحرقة: "أنا جيت أقولك إنهم ولادي وإني وهبتهم ليكي، ربيهم يا سعاد وأنا مسامحة في حقي كأم، كفاية أكون الخدامة اللي بتراعي ولادك". سعاد حضنتها بقوة وقالت لها: "يا عبيطة كنتي قولي لي! أنا بقالي 40 سنة بدعي ربنا بالضنا،
نعمة حكت لسعاد قهرتها، إزاي الحارة كلها ظلمتها وقالوا عليها حرامية وصايعة ومحدش رحمها بعد ما أهلها ماتوا وأعمامها نهبوا ورثها ورموها في الشارع وهي عندها 12 سنة. سعاد قررت تطوي الصفحة دي تماماً، ولما الجيران بدأوا يضايقوهم بكلامهم السم، خدت قرار شجاع وباعت شقتها واشترت بيت في منطقة تانية خالص عشان تبدأ حياة جديدة، وقدمت لنعمة في المدرسة وشجعتها تكمل تعليمها، والتوأم كبروا وهما بينادوا سعاد "ماما" ونعمة "أبلة نعمة".
السنين مرت ونعمة كانت دافنة نفسها في الكتب عشان تثبت إنها قد ثقة سعاد، لحد ما حصلت المعجزة ودخلت كلية الطب وجابت المركز الأول مع مرتبة الشرف.
في الآخر، نعمة ردت الجميل واشترت لسعاد فيلا بحديقة واسعة مليانة ورد، وبنت مستشفى حديثة سمتها "مستشفى سعاد"، وقالت لها بامتنان: "إنتي اللي اديتيني الحياة يا ماما لما الكل غمض عينه عني". وعاشوا كلهم في سعادة، وأثبتت الأيام إن تدبير ربنا أجمل بكتير، وإن الست اللي عايروها بالخلف لقت نفسها أم لأعظم دكتورة، والبنت اللي رجموها بكلامهم بقت رمز للنجاح والوفاء.
بقلم الكاتبة: نرمين عادل همام