قصة جبروت حماتي
وصية محمود.. وكسرة نفس الحماة
بقلم الكاتبة: أماني سيد
بعد وفاة جوزي "محمود"، فضلت قاعدة في بيت العيلة زي ما أنا، قلت هعيش وسط أهله اللي من ريحته. لكن حماتي، بدل ما تتعظ من موت ابنها، قلبت عليا وتجبرت وشافتني "حيطة مائلة" وسودت عيشتي، كأني أنا اللي كنت السبب في موت ابنها الغالي.
حولتني من كنة لخدامة شاملة للبيت كله. كان الجدول بيبدأ من قبل الفجر؛ تنظيف شقق سلايفي، غسيل سجاد بناتها اللي بييجوا يتفسحوا ويستجموا على قفايا، وطبيخ بيت العيلة الكبير اللي مبيخلصش. ولو فكرت أتعب أو أعترض، كان السوط اللي بتجلدني بيه دايماً جاهز: "هوزع ورث ولادك على أعمامهم وعماتهم!".. وكنت برضخ وأسكت، فاكرة إني كدة بحمي حق ولادي اليتامى.
في يوم كنت واقفة على السلم بمسحه وضهري كان بيصرخ من الوجع، قلت لها بصوت منكسر: "يا ماما ارحميني، أنا لسه مخلصة غسيل هدوم سلايفي ومحتاجة أرتاح شوية عشان أقعد مع ولادي". بصت لي بضحكة صفرا تخوف وقالت: "ترتاحي؟ والورث اللي ولادك قاعدين عليه ده مش محتاج تمن؟ اسمعي يا ليلى.. الكلمة هنا كلمتي، والأرض والفلوس تحت إيدي. لو فكرتي تشتكي، هخرج ولادك بهدومهم اللي عليهم، وهوزع منايبهم في ورث أبوهم على
كنت بمسح الأرض ودموعي بتنزل تغسل السيراميك معاها، والقهر بيزيد لما أشوف بناتها يتمنظروا بذهبهم ويطلبوا مني أغسل لهم رجليهم بذل. والوجع الأكبر لما شفت ابني الصغير بيعيط عشان عايز لعبة، حماتي خطفتها من إيده وادتها لابن بنتها وقالت له: "دي للأسياد يا حبيبي، إنت هنا عايش بجميلة جدتك، ولما تكبر هتبقى خادم لولاد عمتك عشان تسدد تمن اللقمة اللي بتاكلها!".
في ليلة، ندهت عليا بصوتها اللي بيزلزل البيت: "تعالي يا ليلى! بكره بناتي وجوازاتهم وسلايفك كلهم معزومين، ومش عايزة أشوف وشك غير وأنتي نحلة بتلفي.. من غسيل السجاد لحد صواني العشا، وإلا والله لكون واخدة العقود من الخزنة وموزعة منايب ولادك هبات ومواريث للي يخدموني بجد!".
في اللحظة دي، الخوف في قلبي اتحول لفكرة.. فكرة إن الضعف مش هيحمي ولادي. استنيت لما البيت كله نام وصوت شخير حماتي بدأ يعلى، ومشيت على طراطيف صوابعي ودخلت أوضتها. قلبي كان بيدق زي الطبل وأنا بفتح الدرج السري وأسحب مفتاح الخزنة الخشب القديمة اللي كانت دايماً بتهددني باللي فيها.
فتحت الخزنة، وبأيد مرتعشة سحبت الملفات.
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع قوة. حماتي كانت بتذلني بورق هو أصلاً حقي! قفلت الخزنة بهدوء ورجعت المفتاح، ونمت ولأول مرة الابتسامة على وشي.
تاني يوم الصبح، خبط العكاز بدأ وصوتها الحاد صحى البيت: "قومي يا ليلى! السجاد مستنيكي، وانزلي هاتي الفطار لسلايفك قبل ما أمضي على الورق اللي في الخزنة!". قمت بكل برود، لبست أحسن طقم عندي، ووقفت قدامها في نص الصالة والكل موجود. قلت بابتسامة ثقة: "لا يا حاجة.. أنا لا همسح ولا هكنس ولا هخدم حد. والورق اللي في الخزنة ده بوشيه واشربي مېته، لأن محمود كان راجل وسيد الرجالة وأمن مراته وعياله قبل ما يمشي".
حماتي وشها اصفر واتلعثمت: "إنتي اتجننتي؟ عايزة تترمي في الشارع؟". رديت بحدة:
طلعت الموبايل ووريتها صورة العقود اللي صورتها بالليل وقربتها من عينيها: "شوفي يا حاجة.. اقري الإمضة والختم. محمود مسبنيش، والورق اللي في خزنتك ده كان مجرد خيال مآتة بتهشي بيه عليا عشان أخدمك!". وبصيت لسلايفي وبناتها اللي كانوا واقفين مصدومين: "وإنتوا يا هوانم.. شققكم ملمسش فيها قشة بعد النهاردة، والهدوم اللي كنتوا بترموهالي اغسلوها لنفسكم، أو تيجوا تترجوني عشان أوافق تقعدوا في بيتي يوم واحد زيادة!".
حماتي قعدت على الكنبة وهي بتنهج، والعكاز وقع من إيدها، وصوت خبطته على الأرض كان هو نهاية حكمها. قلت لها وأنا بلم هدوم ولادي عشان أرفع القضية رسمياً: "أنا مش هطردك لأني أصيلة، بس من النهاردة مفيش سخرة. هتعيشي هنا ضيفة، بس إيدك متتمدش على حاجة مش بتاعتك ولسانك ميتطاولش على يتيم.. وإلا الوصية دي هتتنفذ بالحرف وساعتها مش هتلاقي حتى ركن تنامي فيه!".
خرجت من الصالة وولادي في إيدي، مرفوعة الراس.. والبيت اللي كان سجن، بقى مملكتي.
تمت بحمد الله
بقلم الكاتبة: