ابني اللي ما اعرفوش
العربية المرسيدس السودة الفاميه كانت بتشق زحمة وسط البلد بثقة غريبة، كأنها عارفة إن اللي قاعد ورا مش راجع يزور ماضيه… راجع يدفنه. الشوارع حوالين العربية كلها أضواء وإعلانات ومحلات ماركات، وزجاج ناطحات السحاب بيعكس صورة شاب ناجح، حاسم، محدش يقدر يقف قدامه.
في الكنبة اللي ورا كان قاعد ياسين عز الدين، 36 سنة، بدلة رمادي متفصلة عليه كأنها معمولاله مخصوص، ساعة تقيلة في إيده، ونظرة باردة متعودة تحسب كل خطوة قبل ما تتحرك. في الشنطة الجلد اللي جنبه عقود بملايين، أوراق كفيلة تمحي أحياء كاملة من على الخريطة وتبني مكانها أبراج ومولات.
السواق بصله في المراية وقال بهدوء:
– خمس دقايق ونوصل حي القلعة… البيت القديم.
ياسين رد بكلمة واحدة من غير ما يلف وشه:
– تمام.
تسع سنين… ملمسش فيها المكان ده.
تسع سنين وهو سايب البيت مقفول بالترباس، وسايب قلبه مقفول زيه.
شركة استثمار ضخمة عايزة تشتري المنطقة كلها. يهدموا البيوت القديمة، يبنوا جراجات ذكية ومول زجاجي يلمع. والورقة الناقصة الوحيدة كانت توقيع ياسين، لأنه لسه قانونيًا صاحب بيت العيلة. توقيع واحد… والموضوع يخلص. خطوة عملية، ذكية، من غير وجع دماغ… ومن غير مشاعر.
بس أول ما العربية سابت الطرق الواسعة النظيفة ودخلت الشوارع الجانبية، حاجة جواه اتقبضت.
العمارات قصرت… الدهان مقشر… الأرصفة مكسرة… ريحة عيش طالع من
وفي آخر الزقاق… وقف البيت.
كان أصغر بكتير مما فاكره. السور مايل، الجنينة بقت شوك، الشيش مكسور. البيت اللي كان بيجري فيه طفل صغير، وبيتخبى فيه عاشق بيضحك مع مراته.
تسع سنين فاتوا من يوم المكالمة.
صوت أمين الشرطة على التليفون:
– حصلت حادثة ميكروباص على الصحراوي… البقية في حياتك.
نور.
مراته.
روحه.
صندوق مقفول. ملامح متشافِتش. جنازة سريعة. كلام كتير عن قدر ونصيب. ومن يومها ياسين دفن نفسه في الشغل. حوّل الوجع لأرقام. كل صفقة ناجحة كانت مسكن. كل ربح جديد كان محاولة ينسى.
السواق قاله:
– أستنى حضرتك؟
– أيوه… مش هتأخر.
نزل. أول ما رجله لمست تراب الزقاق، قلبه خبط جامد.
قرب من الباب… وبالصدفة عينه راحت على الشباك.
نور خافت… خفيف… جاي من جوه.
استحالة. البيت مقفول. الكهرباء مفصولة.
قرب أكتر، مسح التراب بإيده… وبص.
الصدمة شلت حركته.
الصالون مش فاضي.
كنبة قديمة عليها مفرش كروشيه. سجادة مهلهلة. لعب أطفال مرمية: عربية إطفا، مكعبات خشب، كورة صغيرة.
فيه حد عايش هنا.
الدم سخن في عروقه. خبط بعنف:
– افتحوا الباب! مين جوه؟
خطوات قربت. صوت مزلاج بيتفك. الباب اتفتح ببطء.
والدنيا وقفت.
قدامه كانت نور.
زي ما هي. نفس العينين. نفس العلامة الصغيرة فوق شفايفها.
صوته خرج مكسور:
– نور؟
هي همست وكأنها شايفة شبح:
– ياسين…
وفجأة صوت طفل طالع من وراها:
– ماما… مين ده؟
ولد عنده حوالي تسع سنين. شعره غامق منكوش. عينيه خضرا… خضرا زيه بالظبط.
الولد مسك إيد أمه وقال ببراءة حامية:
– يا عمو إنت بتزعق لماما ليه؟
نور اتحركت قدام ابنها كأنها سور.
– لازم تمشي من هنا حالًا.
ياسين كان تايه:
– أنا دفنتك! قالولي إنك موتي!
ردت بصوت بارد موجوع:
– ده اللي خلوك تصدقه.
عينه نزلت على الولد.
– ده… ابني؟
نور قالت بجمود:
– اسمه يوسف.
الاسم لوحده كان كفاية. الملامح كانت الإجابة.
وقبل ما يستوعب، الباب اتقفل في وشه.
الليل كله ياسين ما نامش.
الصبح كلم المستثمر وقاله:
– البيعة اتلغت. المنطقة دي مش للبيع… ولو السما وقعت على الأرض.
رجع الزقاق الفجر من غير بدلته الغالية. وقف بعيد وشاف نور بتوصل يوسف المدرسة. كانت بتضحك… الضحكة اللي اختفت من حياته تسع سنين.
بعد ما مشيوا، طلع مفتاحه القديم ودخل.
ريحة البيت كانت دافية. عيش متحمّر، صابون نابلسي. على الطبلية طبقين. برطمان فيه فكة قليلة. حياة بسيطة… بس حقيقية.
طلع فوق. شاف ورق وفواتير. شهادة ميلاد.
اسم الأب: غير مدرج.
التاريخ خلا قلبه يقع. نور كانت حامل وقت الحادثة.
الباب اتفتح فجأة. يوسف دخل، شافه، صرخ. نور جريت:
– إنت دخلت إزاي؟!
ياسين بص
– كنت محتاج أعرف ليه.
الحقيقة كانت أوسخ من أي كابوس.
أمه.
كريمة عز الدين.
هي اللي رتبت كل حاجة. تهديدات. فلوس. تزوير. خلت نور تختفي وهي حامل، وإلا “الحادثة” تبقى حقيقية المرة دي.
نور قالت بصوت مكسور:
– قالتلي يا تختفي يا تموتي إنت واللي في بطنك.
ياسين حس إن الأرض بتتشال من تحته.
رجع القصر. واجه أمه وسط الرخام والخدم.
– نور عايشة… وعندي ابن.
أمه قالت ببرود:
– كنت بحميك من واحدة مش من مستواك.
– حميتي اسمي… ودفنتي حياتي؟
لأول مرة في حياته يستخدم نفوذه ضدها. ضغط قانوني. تهديد بفضايح. أوراق وتنازلات. قطع أي صلة بينها وبين نور ويوسف.
ولما رجع الزقاق، كان يوسف سامع كل حاجة من ورا الباب.
بص له وسأله بجدية طفل كبير:
– إنت مهتم بينا ليه؟
ياسين نزل على ركبته قدامه:
– عشان كان لازم أكون هنا من زمان… وعشان مش همشي تاني.
نور بصت ليوسف وقالت بهدوء:
– يا يوسف… ده بابا.
الولد سكت شوية. قرب، بص في وشه كويس.
– طب ليه مجتش بدري؟
ياسين ما هربش:
– عشان ناس كدبت عليا… وأنا صدقتهم. بس النهاردة باختار أصدق قلبي.
يوسف فكر شوية وقال:
– ماشي… بس تعلمني ألعب كورة شراب، وتجيبلي عجلة حلوة.
ضحكة خرجت من قلب ياسين لأول مرة من سنين.
– من عينيّا… أحسن عجلة في مصر.
البيت من بره فضل مقشر ومتعب.
بس من جوه اتفتح من جديد.
ياسين عز الدين، الراجل