هدايا أمي السرية

لمحة نيوز

الهدايا الغريبة اللي كانت بتوصل كل سنة… ما اكتشفته وأنا عندي تمنتاشر سنة قلب كل اللي كنت فاكره عن مامتي.

أول مرة وصلت الطرود، كنت عندي ست سنين. أمي كانت متوفية من ثلاثة شهور بس، والبيت لسه شايل ريحتها… صابون اللافندر، القهوة الصبح، وريحة التعب اللي بتسيبها الستات اللي بيشتغلوا طول عمرهم من غير ما يشتكوا.

عمتي لورا اللي بقت مسؤولة عني حاولت تخلي كل حاجة مترتبة. يمكن أكتر من اللازم. كل حاجة نظيفة، الأكل بييجي في ميعاده، والتلفزيون شغال يملي الصمت. بس الفراغ اللي سيبته أمي ما حدش يقدر يصلحه.

في يوم من أيام الثلاثاء، الساعة كانت أربع العصر، اتطرق الباب.

سألت عمتي وأنا قاعد على الطاولة قدام واجب الرياضيات: «حد جاي؟»
قالت وهي بتجفف إيديها: «لأ.»

لما فتحت الباب، ماكانش فيه حد. غير صندوق صغير، ملفوف بورق بني، من غير اسم

مرسل.

تمتمت: «يا للهوي…»
اقتربت وفتحت الصندوق. على الغطاء مكتوب بخط اليد: «لدانيال. افتحه النهارده.»

جوه الصندوق كانت حقيبة مدرسة جديدة. مش أي حقيبة، متينة وزرقا داكنة، بالضبط اللي كنت محتاجه. سألت: «مين بعت ده؟»
هزّت عمتي راسها: «مش عارفة يا حبيبي.»

افترضنا إن حد يعرف أمي… حد عايز يساعدني من غير ما يظهر.

وبعد سنة، نفس اليوم بالظبط، طُرق الباب تاني. المرة دي أنا فتحت. صندوق تاني، نفس الجملة: «لدانيال. افتحه النهارده.»
جوه كان حذاء رياضي، مقاسي بالظبط، نفس اللي كنت بشوفه في المتجر من غير ما أقدر أطلبه.
عمتي قالت بصوت واطي: «ده مش صدفة.»
وأنا عرفت، كان فيه حد بيراقبني… بطريقة مليانة اهتمام، مش خوف.

ومرت السنين، والطرود فضلت تجي كل سنة. مرة قاموس مصور لما بدأت أتعلم، مرة معطف دافي لما برد، مرة كرة قدم لما قررت ألعب

في فريق المدرسة. كل هدية كانت جاية في الوقت المناسب، وكأن في حد بيسمعني من غير ما أتكلم.

كبرت وأنا بسأل عمتي عن أمي: «كانت بتساعد الناس كتير؟»
ردت: «أيوه… كانت تساعد من غير ما تقول حاجة.»
كأنها زرعت فيا إحساس بالغموض، بشعور إن القصة مش كاملة.

لما كان عندي خمسة عشر، وصلت هدية مختلفة: ظرف فيه فلوس لدورة كنت عايز ألتحق بيها، بس ماكنتش أقدر أطلبها. فهمت إن الموضوع مش مجرد هدايا… حد معايا من بعيد طول حياتي من غير ما يعرفني.

احتفظت بكل حاجة: الصناديق، الأوراق، التواريخ، طريقة التغليف. كان هوس صامت. مش لأنه كنت بشك، لكن لأني حسيت إن وراها قصة كبيرة عن أمي.

وفي عيد ميلادي التمنتاشر، وصل الطرد الأخير. أثقل من أي حاجة قبل كده. ساعة أنيقة، بسيطة، وكمان رسالة طويلة… مكتوبة بخط معتاد لكن كأن اليد عارفة إنها المرة الأخيرة.

قرأت

الرسالة ببطء:
«دانيال… لو بتقرا الرسالة دي، يبقى وصلت للتمنتاشر… ومهمتي خلصت. أنا ما بعتش الهدايا من شفقة ولا من واجب… كنت بس أسدد دين. قبل تمنتاشر سنة، أنقذتني والدتك حرفيًا. كنت مريض، مش عارف أتصرف، وماكانش عندي فلوس… هي ساعدتني بدون ما تقول لحد حاجة. لما رحلت فجأة وعرفت إن عندها طفل… أنت… فهمت لازم أعمل إيه. كل هدية كانت من قلبها، وأنا بس تابعته من بعيد، مش عشان الفضول، لكن الامتنان.»

رأسي كان بيدور وأنا أقرا. كل الأعوام اللي عشتها وأنا بحاول أفهم الهدايا، كل الغموض، كل الأسئلة… الحقيقة كانت قدامي. أمي كانت بطلة، واللي بدأته رجع لي.

فتحت الظرف الصغير اللي مع الساعة، وكنت عارف إن الوقت جه أكمل اللي بدأته. لأول مرة من سنين، حسيت بالدفء اللي كان ناقصني… حسيت بالحب الحقيقي بيرجع.

لأن الحب الحقيقي… عمره ما يموت. بيرجع

بطريقة أو بأخرى، حتى لو استغرق 18 سنة.

تم نسخ الرابط