حماتي أقنعت جوزي يتجوز أرملة ابن عمه حكايات بسمة
— هاتي الورقة دي هنا يا سارة! إنتِ اتجننتي؟!
صرخ محمود بعصبية وهو بيمد إيده بلهفة ورعب عشان يخطف الملف من إيدي، بس أنا رجعت خطوة لورا بسرعة، ورفعت الورقة تحت ضوء النجفة الكبير اللي في نص الصالون. مكانش مجرد عقد بيع أو رهن عادي.. المستند كان عبارة عن عقد رهن رسمي وشراكة بالباطل مع بنك استثماري!
عيني اتسمّرت على السطور الأولى.. محمود ما كانش بس ناوي يبيع الشقة أو ياخد الفلوس عشان مشروعه، محمود كان رهن الشقة للبنك بمبلغ ضخم جداً، ومكتوب في البند الثالث إن الملكية مسجلة باسمه واسمي مناصفة، مع وجود توقيع منسوب ليا وتوكيل عام بيبسّطه يتصرف في نصيبي!
والصدمة الأكبر؟ التوكيل ده كان معمول بتاريخ من سنتين.. التاريخ اللي كنت محجوزة فيه في المستشفى وبتعالج من دور كورونا شديد وكان مغمى عليا بين الحياة والموت!
صرخت بصوت هز أركان البيت، صوت طلعت فيه كل القهر والوجع بتوع السبع سنين:
— توكيل باسمي من سنتين يا محمود؟! استغليت مرضي في المستشفى وزوّرت توقيعي وبصمتي وأنا بين إيدين ربنا عشان تعمل لنفسك توكيل وتستولى على الشقة اللي أنا دفعت شقا عمري فيها؟!
الصمت نزل على الصالون زي الجبل. حماتي الحاجة فوزية قامت واقفة من مكانها بسرعة، وبصت لمحمود برعب، والزغاريد اللي كانت مالية البيت اختفت كأنها ما كانتش. رانيا العروسة الجديدة قامت خطوتين لورا، وعينيها رايحة جاية بين محمود وبين الملف اللي في إيدي.
حماتي حاولت تتدارك الموقف وتزعق بصوت عالي عشان تغلوش:
— إنتِ بتقولي إيه يا بت إنتِ؟! توكيل إيه وتزوير إيه؟! ده ابن حلال وما يعملش كده! أكيد إنتِ اللي بصمتِ ونسيتي من كتر الأدوية!
بصيت لحماتي بنظرة قرف وشماتة هادية:
— أنا أدوية يا حاجة فوزية؟ التاريخ مكتوب باليوم والساعة! اليوم ده أنا كنت في العناية المركزة في مستشفى الصفا، والشهود والتقارير الطبية مسجلة إن نوبة الغيبوبة كانت كاملة! يعني التوكيل ده مزور رسمياً، والبنك اللي رهن الشقة اتخدع بمستند باطل!
محمود وشه اصفرّ كأنه جثة، وإيديه بدأت ترتعش بعنف. قرب مني وهو بيبكي وبيحاول يوطي على إيدي:
— سارة.. أرجوكي يا سارة اسمعيني! والله العظيم أنا كنت مزنوق! ديون الشغل القديم كانت هتوديني السجن، وأمي هي اللي قالتلي نعمل التوكيل ده عشان نلحق البيت ونفك الأزمة، ووعدتني إن أول ما أتجوز رانيا أخت ابن عمي، رانيا هتاخد ورثها وتفك الرهن ونرجعلك حقك!
التفتّ لرانيا اللي كانت واقفة مصدومة. رانيا صرخت بذهول:
— ورث مين يا محمود؟! أنت مش قايل لي إنك هتمول مشروعك من فلوس أمك، وإنك جايبني هنا عشان تستتر عليا وتعيشني في معزتها؟! أنت متجوزني عشان تاخد ورثي تسد بيه ديونك ورهن الشقة المزورة؟!
حماتي اتلخبطت وبقت تضرب على صدرها:
— لا يا رانيا يا بنتي ما تصدقهاش! دي حية عايزه تخرب بيتك قبل ما يبدأ!
رانيا قلعت طرحة فستانها ورمتها على الأرض بغضب:
— حية إيه يا طنط؟! ده إنتوا طلعتوا عصابة! جايين تبيعوا وتترهنوا في بيت الست اللي طفحت الدم معاكم، ومأشّمين ابنكم في ورثي من ابن عمكم المرحوم؟! أنا ماشية ومش هتشوفوا وشي تاني، وأنا هبلغ عيلتي كلها باللي كنتوا ناويين تعملوه معايا!
جرت رانيا برة البيت، والباب اتخزع وراها بصوت عالي كأنه إعلان عن بداية الانهيار. محمود جرى وراها خطوتين، بس أنا وقفت في نص الصالة وقلت بصوت حاسم نزل زي السيف:
— استنى يا محمود.. رجلها مش هتسبق رجلك، لأن الضباط اللي المحامي طلبهم زمانهم على باب العمارة دلوقتي!
حماتي صرخت فيا وهي بتهجم عليا عشان تاخد الملف:
— ضباط إيه يا فاجرة؟! عايزة تسجني جوزك وراجل بيتك عشان شقة وحتة ورقة؟!
زقيت إيدها بالراحة بس بصرامة ووقفت قدامها بثبات:
— الراجل اللي يسيب أمه تستغل مرضه وتخليه يزوّر توقيع مراته عشان يسرق شقا عمرها، ويجيب عليها ضرة عشان يقل منها ويخليها تخدمها.. ده مش راجل بيت يا حاجة فوزية، ده مجرم ومكانه الطبيعي هو السجن!
في اللحظة دي بالظبط، جرس الباب رن بصوت قاطع. فتحت الباب، ودخل المحامي بتاعي ومعاه أفراد من مباحث التزوير والأموال العامة بناءً على البلاغ العاجل والتقرير الطبي المسجل رسمياً من المستشفى. المحامي بص لمحمود والملف اللي في إيدي وقال للظابط:
— هو ده يا فندم.. المستند المزور بجهة رسمي، ومعانا تقارير العناية المركزة الصادرة بنفس تاريخ التوكيل الباطل.
الظابط قرب من محمود وشاور للرقيب:
— كلبش المتهم يا بني، وهات العقد والملف ده على القسم فوراً للتحقيق.
محمود نزل على ركبه على الأرض قدام رجلي، والدموع مغرقة وشه:
— سارة! أرجوكي يا سارة! أنا جوزك اللي حبيتيه وقسمتي معاه اللقمة! سامحيني وبلاش فضايح! أمي هي اللي غوتني وقالتلي الست ملهاش أمان ولازم تضمن حقك منها قبل ما تكبر عليك!
بصيت لحماتي اللي كانت واقفة بتلطم على خدودها وبيغمى عليها من الصدمة، وبعدين بصيت لمحمود بجمود تام، هدوء الست اللي اتعافت خلاص من الكسرة:
— أمك هي اللي دمرتك يا محمود.. بس أنت اللي اخترت تطيعها في الباطل وتخون أمانة مراتك اللي صانتك ووقفت جمبك. أنت ما خسرتش الشقة بس.. أنت خسرت نفسك وخسرتني للأبد.
الشرطة أخدت محمود متكلبش قدام الجيران العيلة كلها اللي كانت متجمعة للحفلة، والفضيحة كانت على كل لسان في المنطقة.
بعد ست شهور من الليلة دي.. القانون أخد مجراه بالكامل وصدر الحكم:
إبطال عقد الرهن والتوكيل المزورة نهائياً، ورجوع ملكية الشقة بالكامل ليا بصفتي المشتري والمتمم للأقساط.
حبس محمود ثلاث سنوات بتهمة التزوير في محررات رسمية والاستيلاء على أموال الغير.
حصولي على الطلاق النهائي للضرر مع استرداد كافة حقوقي الشرعية والمؤخر والعفش.
أما حماتي الحاجة فوزية.. فصحتها تدهورت جداً بعد حبس ابنها الوحيد، ورانيا وأهلها قطعوا علاقتهم بيها تماماً، وبقت عايشة لوحدها في شقتها القديمة مفيش حد بيسأل عليها ولا بيعبرها.
واليوم.. أنا قاعدة في بلكونة بيتي، شقتي اللي رجعتلي بكفاحي وحقي بالقانون. الشمس كانت طالعة صافية، والبيت هادي وريحته ورد، ومفيش فيه أي صوت للظلم أو الإهانة. حطيت كاس العصير قدامي، وبصيت للمفتاح اللي كنت حطيته على الترابيزة يومها، وابتسمت من قلبي.
البيت ده ما اتبناش بفلوس محمود ولا بجدعنة حماتي.. البيت ده اتبنى بعرقي وكرامتي. والست اللي تصبر وتشتغل وتعرف حقها كويس.. ما يكسرهاش راجل خاين، ولا تهزمها حمات خبيثة!