مراتي شغاله في البيوت

لمحة نيوز

ما حسيتش بالراحة.

رجعت البيت بالليل.  
وأول ما فتحت الباب  
لقيت الشقة هادية بشكل غريب.  
ناديت عليها.  
ما ردتش.  
دخلت الأوضة.  
ما كانتش موجودة.  
لكن كان فيه ظرف أبيض فوق السرير.  
وعليه اسمي.  
فتحته.  
ولقيت جواه صورة قديمة ليا وأنا بذاكر.  
وصورة تانية ليها وهي بتنضف أحد البيوت.  
وتحتهم ورقة مكتوب فيها بخط إيدها:  
كنت فاكرة إن يوم تخرجك هيبقى أسعد يوم في حياتي لكن النهارده فهمت إني كنت مجرد مرحلة وعدّت.

وفي آخر السطر  
كانت كاتبة جملة واحدة خلت قلبي يقع:  
حكايات بسمه

الجملة التي كانت مكتوبة في آخر الورقة كانت: أنا ما مشيتش عشان تركتني لوحدي.. أنا مشيت لأني اكتشفت إني في قلبك.. مجرد أداة للوصول.

تلك الكلمات وقعت على قلبي كأنها صاعقة. وقفتُ في وسط الغرفة المظلمة، لا أسمع سوى دقات قلبي المتسارعة، وأنفاسي التي أصبحت ضيقة. فتحت خزانة الملابس بسرعة، كانت فارغة تماماً من كل متعلقاتها. لم تأخذ معها سوى حقيبة ملابسها البسيطة التي جاءت بها يوم زفافنا.

ركضتُ إلى الشارع كالمچنون، ناديتُ باسمها في كل ركن، سألتُ الجيران، لكن لا أحد رأى أحداً يخرج. مرت ليلة، وثانية، وأسبوع.. لم تترك أي أثر، ولم ترد على اتصالاتي، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها.

بدأتُ أدرك الحقيقة المرة؛ فاطمة لم تكن مجرد زوجة، كانت هي العمود الفقري لحياتي. بدونها، لم أستطع حتى ترتيب أوراقي، ولا تذكر مواعيد مقابلات العمل التي كانت تدونها لي بعناية فائقة. أمي وأختي، اللتان طالما حرضتاني عليها، بدأتا في الضغط عليّ لأبحث عن عروسة تانية، بنت ناس واصلة، وكأن فاطمة كانت مجرد مرحلة نضال انتهت بانتهاء دراستي.

بعد شهر من البحث، وجدتُ خيطاً يوصلني لمكان عملها القديم. ذهبتُ للمنزل الذي كانت تنظفه، سألتُ صاحبة البيت وهي سيدة مسنة طيبة: لو سمحتي، فاطمة كانت بتيجي هنا، تعرفي راحت فين؟

نظرت إليّ السيدة بأسى وقالت: فاطمة ست ب 100 راجل، هي جت لي قبل ما تمشي، وسابت لي أمانة عشان تديها ليك لو جيت تسأل.

أخرجت السيدة ظرفاً صغيراً، كان بداخله مبلغ من المال، وورقة صغيرة مكتوب فيها: دي الفلوس اللي كنت محوشاها عشان نجيب غسالة للبيت..

استعملها في مشروعك، مبروك التخرج يا حسام.

بكيتُ كالأطفال أمام تلك السيدة. لم أكن أبكي على المال، كنت أبكي على طهارتها التي لم أستحقها.

بدأتُ رحلة جديدة، لكنها رحلة ندم. رفضتُ كل عروض الزواج التي قدمتها أمي، وقررتُ أن أكرس حياتي لأكون الرجل الذي كانت تحلم به، حتى لو لم تعد في حياتي. عملتُ بجد، وبدأتُ مشروعي الخاص، وفي كل نجاح كنت أضع جزءاً من الربح في مؤسسة خيرية باسم فاطمة، لعل وعسى أن يصلها أثره.

مرت 5 سنوات..  
كنت في مؤتمر لرجال الأعمال، وبينما كنتُ أتحدث عن بداياتي الصعبة وكيف علمتني الحياة الوفاء، رأيتُ وجهاً مألوفاً في الصفوف الأخيرة. كانت هي.. فاطمة. كانت تبدو مختلفة، ترتدي ملابس مهنية، ومعها طفل صغير يمسك بيدها.

تجمدتُ في مكاني، وتلعثمت كلماتي. انتهى المؤتمر، ركضتُ نحوها، وقبل أن تنصرف، ناديت: فاطمة!

توقفت والتفتت. كانت نظراتها هادئة، لا حب، ولا كره. قالت لي بهدوء: أهلاً يا حسام. سمعت قصتك، مبروك على نجاحك.

قلتُ بضعف: أنا عملت كل ده عشان أثبت لنفسي إني استحقك.. هل فيه فرصة؟

ابتسمت وقالت: النجاح اللي حققته

يا حسام، هو أجمل هدية ممكن يقدمها لي شخص كان في يوم من الأيام مشروعي الوحيد. أنا اتجوزت وبنيت حياتي، وأنت كمان كمل حياتك.. مش لازم كل قصة تنتهي ب رجوع، أحياناً النهايات بتكون هي الطريق الوحيد عشان كل واحد فينا يكتشف قيمته الحقيقية.

تركتني ورحلت، تاركةً خلفها حسام الذي أصبح ناجحاً، لكنه تعلم أن أعظم نجاح في الحياة هو الوفاء بالوعد، وأن من يخذل من آمنوا به في لحظة ضعفهم، سيعيش طوال عمره يبحث عن ظِلهم في كل مكان.

فاطمة مشيت وسابت وراها ۏجع مايتنسيش.

بعد سنتين من بحثي عنها، عرفت بالصدفة إنها سافرت بلد تانية عشان تبدأ حياة جديدة تماماً، بعيد عني وعن ذكريات الۏجع.

اتعلمت يومها إن الوفاء مش مجرد كلمة بنقولها، ده فعل بيتحفر في مواقفنا. أنا بقيت ناجح، ومعايا فلوس كتير، بس كل ما أرجع بيتي الفاضي، بحس إني فقير؛ لأني خسړت الست اللي كانت شايفة فيا إنسان قبل ما أكون مهندس.

خسارة فاطمة علمتني درس قاسې: النجاح اللي بيجي على حساب كرامة ومشاعر اللي ساندونا، بيبقى طعمه مر مهما كان حجمه.

فاطمة بقيت ذكرى حلوة ودرس قاسې، وأنا بقيت ناجح بس من

غير بيت، ومن غير الشخص اللي كان بيخلي للنجاح ده معنى.

تمت.

تم نسخ الرابط