ثمن الخديعة
في قلب حي مصر الجديدة، حيث الشوارع العريقة والبيوت التي تحمل أنفاس أصحابها، عشت عمري كله. اسمي صفية، ثمانية وخمسون عاماً من الصبر والكفاح. عشت في شقتي هذه التي بنيتها مع زوجي الراحل، طوبة فوق طوبة، من عرق جبيننا وشبابنا الذي مضى. كانت هذه الجدران هي الشاهد الوحيد المتبقي لي من رائحة الماضي وعمرنا الذي تقاسمناه بحلوه ومره. عندما خطف الموت زوجي وحبيبي بأزمة قلبية مفاجئة، انكسر داخلي شيء كبير، ولم يتبقَ لي من أثره سوى تلك الضفيرة البيضاء الطويلة التي كنت أحافظ عليها كأغلى ما أملك. لم تكن مجرد شعر، بل كانت طقساً أسبوعياً مقدساً؛ فكل يوم جمعة، بعد الصلاة، كان زوجي يجلسني أمامه، ويرخي خصلات شعري ويسرحها بهدوء شديد وهو يستمع إلى مباراة كرة القدم بصوت منخفض جداً حتى لا يزعجني. كانت لمسات يده على شعري تطمئنني، وتخفف عني ثقل الأيام، وبعد رحيله، أصبحت الضفيرة هي الرابط الخفي الذي يجعلني أشعر بأنني ما زلت زوجته المصونة، ولست مجرد أرملة وحيدة في بيت بارد متسع.
مرت السنوات وتزوج ابني الوحيد كريم، الذي لم أنجب غيره في هذه الدنيا، والذي كنت أرى فيه امتداداً لوالده الراحل. جاءني كريم بعد زفافه بأيام يطلب مني بلهفة وخجل أن يقيم معي في الشقة مؤقتاً رفقة زوجته سها حتى يستقر مادياً ويتمكن من تدبير أمور معيشته. لم أفكر للحظة واحدة، ولم يطاوعني قلبي
لكن الأمور لم تسر كما تمنيت. بدأت سها بعد الشهر الأول مباشرة ببث سمومها من خلال كلمات صغيرة مبطنة بالإهانة. كانت تنظر إلى ثيابي وتقول باستهزاء إنها موضة قديمة، وتنظر إلى شعري الطويل المجدل وتقول إن هذا الطول لا يليق بامرأة في سني، وتتحكم في أثاث المنزل زاعمة أن البيت يحتاج إلى ذوق حديث بدلاً من ذوق العواجيز الذي يخنقها. كنت أبتسم بمرارة وأصمت احتراماً لولدي، بينما كان كريم يجلس بجوارها، عيناه مثبتتان على شاشة هاتفه، يبتسم أحياناً ضحكة خفيفة باهتة كأنه لا يسمع الإهانة الموجهة لأمه، أو كأنه يسمعها ويفضل الصمت والهروب حتى لا يغضب زوجته. كنت أبتلع غصتي وأقول لنفسي فوّتي يا صفية، البيوت لا تُبنى على تدقيق كل كلمة، والأم يجب أن تتحمل حتى لا تخرب بيت ابنها بيدها.
حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم الذي غير مجرى حياتي كلها. استيقظت منذ الفجر كعادتي، وبذلت مجهوداً شاقاً في إعداد وجبة غداء دسمة من البط والمحشي التي يحبها كريم، وقفت في المطبخ لساعات طوال حتى أنهكني التعب، وبعد أن
فتحت باب الغرفة وأنا أرتجف كلياً، وعيناي تذرفان دموعاً قاسية، فوجدت سها واقفة في الممر المؤدي لغرفتي والمقص في يدها، كانت تبتسم ببرود شديد وتشفي ملأ عينيها وهي تقول لي بكل وقاحة أديكي أخيرًا عرفتي مقامك في البيت ده. في تلك اللحظة الحرجة، نظرت إلى كريم الذي كان واقفاً خلفها مستنجدة به، ظننت أن دماء النخوة ستتحرك في عروقه، ظننت أنه سيصرخ في وجهها، سيغضب لأجل كرامة أمه التي هُدرت وهي نائمة، سيأتي ليعانقني ويغطي رأسي المكشوف بيده كما كنت أغطيه وأحميه وهو صغير ضعيف. لكن خيبتي كانت أكبر من قدرتي على الاحتمال، فقد نظر إلي برود وقال دون تردد يا ماما، يمكن ده الدرس اللي كنتي محتاجاه عشان تبطلي
في تلك اللحظة بالتحديد، جفت دموعي فجأة. لم أبكِ، ولم أصرخ، ولم ألعن أحداً، بل تملكني صمت رهيب يشبه صمت المقابر. نظرت إلى خصلات شعري الملقاة على الأرض، وشعرت أن الخوف والضعف وكل مشاعر الأمومة المستسلمة قد ماتت داخلي بهدوء شديد وحل محلها جبروت امرأة جُرحت في أقدس ما تملك. انحنيت بوقار، وجمعت شعري المقصوص من على الأرض ولففته في منديل أبيض نظيف، ودخلت غرفتي ثم وضعته في درج زوجي الراحل ليكون شاهداً جديداً على خيانة أقرب الناس إلي. مرت ثلاثة أيام كاملة لم أنطق فيها بحرف واحد معهما. كنت أتحرك في المنزل كالشبح، أطبخ وأخدم وأقوم بواجباتي بصمت تام، وكانت سها تظن في نفسها أنها انتصرت وكسرت هيبتي، وكان كريم يظن أن أمه قد انكسرت واستسلمت للأمر الواقع ولن تقوم لها قائمة بعد اليوم.
وفي اليوم الرابع، هبطت إلى الصالون بكل هدوء وثبات، وناديت سها وكريم ليتحدثا إلي في بيتي الذي عشت فيه ثلاثين سنة. نظرت إلى سها وقلت لها بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر أمامك ثلاثون يوماً بالضبط، وتغادرين بيتي أنتِ وزوجك. انفجرت سها بالضحك الساخر والتفتت إلى كريم قائلة باستهزاء بيتك؟ كريم قال لي إن الشقة دي بقت باسمه قانوناً بعد موت والده وإنك مالكيش حق تطردينا. نظرت إليها بثقة مفرطة وقلت كريم قال لكِ ما يتمنى ويرجو، لا ما هو حقيقي وواقعي. في تلك