وصية جُمدت ثلاثين عاماً
كانت صالة بنك القصر الرخامية تتلألأ تحت أضواء الثريات الكريستالية الضخمة، والهدوء الفاخر يغمر المكان الذي تفوح منه رائحة المال والنفوذ.
في تلك الأجواء المخملية، انفتح الباب الزجاجي العريض لتدخل منه سلمى، وهي تجر خطى متعبة أثقلها هم الشوارع وبرد الشتاء القارس.
كانت ترتدي معطفاً رقيقاً بالياً، تآكلت أطرافه ولم يعد يقوى على حماية جسدها النحيل من الصقيع، وشعرها مربوط بعجلة على عجل.
وجهها كان يحمل علامات إرهاق شديد تراكم عبر ثلاثة أسابيع كاملة قضتها مشردة في العراء مع طفليها.
بيمينها كانت تشد على يد ابنتها ليان، ذات السنوات التسع، التي كبرت قبل أوانها وباتت نظراتها تحمل حزناً وعمقاً لا يناسبان طفولتها.
وبيسارها كانت تحتضن كف ابنها الصغير يامن، الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره بعد.
طوال الليالي الماضية، كانت المحطات الباردة وممرات القطارات هي ملاذهم الوحيد في هذه الدنيا.
وكانت سلمى تهمس في أذن ليان كلما بكت الطفلة من الخوف والجوع قائلة إن الوضع مؤقت، وأن فرج الله قريب.
لكن الأيام كانت تمر أشد قسوة من سابقاتها، ولم يكن الغد يأتي بأي انفراجة.
في ذلك الصباح تحديداً، تدهور حال الصغير يامن، وبدأ يسعل بشدة حتى ارتجف جسده
هنا أدركت سلمى أنها لم تعد تملك رفاهية الانتظار أو الصبر على الرصيف، فطفلها يموت برداً وجوعاً بين يديها.
وبدافع اليأس والحاجة، مدت يدها المرتجفة داخل بطانة حقيبتها الجلدية القديمة، تبحث في الزوايا المهترئة عن أي عملة معدنية منسية.
كانت تأمل أن تجد ما تشتري به كوباً من الشاي الدافئ يطرد الصقيع من صدر ابنها المريض.
تعثرت أصابعها بشيء معدني بارد وثقيل لم تعهد وجوده من قبل في حقيبتها.
أخرجته ببطء لتجده بطاقة نحاسية قديمة، داكنة اللون بفعل السنين، ممسوحة الحواف، ومحفور عليها نقوش وهندسية غريبة أشبه بالرموز السرية.
في تلك اللحظة، تجمدت سلمى في مكانها وانفتحت في مخيلتها بوابة الذكريات البعيدة.
تذكرت جدها عبد الرحمن، ذلك الرجل الوقور الذي كان يفوح دائماً برائحة القهوة العبقة وخشب الأبنوس القديم.
كان يقضي ساعاته بين الكتب الضخمة ورقعة الشطرنج في بيته الصغير الدافئ.
تذكرت نصيحته الأزلية لها عندما كان يقول إن الحياة مثل الشطرنج، وعليكِ دائماً أن تحسبي ثلاث خطوات للأمام قبل أن تخطي أي خطوة.
تذكرت بدقة ذلك اليوم البعيد من طفولتها عندما وضع هذه البطاقة النحاسية في يدها الصغيرة.
قال لها حينها بلهجة
وإذا ضاقت بكِ الدنيا وأغلقت الحياة كل أبوابها في وجهكِ، فاذهبي بها فوراً إلى بنك القصر.
يومها ضحكت ببراءة طفولية وسألته عن السر وراءها، فاكتفى بابتسامة حزينة ونظر إليها قائلاً إنه يتمنى من كل قلبه ألا تضطر يوماً لمعرفة الإجابة.
الآن، وهي تقف في وسط البنك الفاخر، كانت تشعر أنها تمشي نحو الباب الأخير في حياتها، إما النجاة وإما الهلاك.
تقدمت بخطوات مضطربة نحو مكتب الاستقبال، لكن حارس الأمن الضخم استقبلها بنظرة ازدراء واحتقار شديدين.
وقف الحارس حائلاً بينها وبين الصالة قائلاً بنبرة جافة وصارمة إن هذا المكان مخصص للمستثمرين ورجال الأعمال وليس للتسول.
طلب منها المغادرة فوراً وبأسلوب فظ.
ابتلعت سلمى غصتها، ورفع رأسها بكرامة مجروحة وقالت بصوت مكسور لكنه مسموع إنها لا تتسول.
أخبرته أنها تملك بطاقة خاصة وتريد فقط معرفة الرصيد المتاح فيها.
تعالت ضحكات خافتة وساخرة من بعض الموظفين والعملاء القريبين، مستهزئين بهيئتها الرثة وبطاقتها المعدنية الغريبة.
إلا أن موظفة شابة تدعى مريم، كانت تجلس خلف مكتبها، شعرت بوعكة في ضميرها وتحركت في قلبها الشفقة تجاه منظر الأطفال الجائعين.
نادت
وضعت مريم البطاقة على جهاز القارئ الإلكتروني الحديث.
وما إن استقر المعدن على السطح حتى حدث أمر لم يتوقعه أحد في البنك بأكمله.
تغير لون شاشات الكمبيوتر فجأة من الأزرق الهادئ إلى اللون الأحمر القاني والوامض.
توقفت الطابعات عن العمل تلقائياً، وانقطع الصوت في الصالة تماماً ليحل صمت رهيب ومفاجئ.
ظهر على الشاشة تحذير أمني عالي المستوى مكتوب بالخط العريض.
يفيد التحذير بأن هذا الحساب هو حساب تراثي سري وخاص جداً، ويجب تجميد العمليات فوراً واستدعاء المدير العام للبنك شخصياً وبلا أي تأخير.
أصيبت مريم بالارتباك الشديد، وحاولت إعادة إدخال الرمز من جديد ظناً منها أن هناك خللاً في النظام.
لكن الشاشة استقرت هذه المرة لتكشف عن رقم فلكي جعل أنفاسها تتوقف تماماً.
ظهر الرصيد بوضوح وهو خمسة وأربعون مليون دولار أمريكي.
تراجعت سلمى خطوة إلى الوراء وعيناها متسعتان من الذهول.
اعتقدت تماماً أن الآلة تالفة أو أن هناك خطأ كارثياً في الأرقام.
في حين تملك الرعب والندم من حارس الأمن الذي نزع قبعته وأخذ يمسح عرقه وهو لا يجرؤ على النظر