الرهان الخاسر
ماجد كان متوقع يلاقيها في المطبخ لما ينزل من فوق. أو بره في عربية تكون طلبتها. أو على الأقل يجيله منها رسالة كلها عياط طول الليل. حتى إنه كان عمال يدرب نفسه هيقولها إيه. كلام من نوعية إن كل واحد ينام في أوضة لوحده.. كلام عن السرية.. كلام عن إنهم لازم يحافظوا على المنظر قدام الناس.
بس المطبخ كان هس، مفيش فيه صوت.
لا سابت ورقة، ولا بعتت رسالة، ولا ليها أي أثر.
اتصل بموبايلها. رن أربع مرات وتحول على البريد الصوتي.
اتصل تاني.
بريد صوتي.
قعد على ترابيزة المطبخ في المكان اللي إيمان كانت بتعمل فيه القهوة كل يوم الصبح بقالها خمس سنين. كل يوم الصبح بلا استثناء، كانت بتقف هنا تقرا حاجة على التابلت بتاعها لحد ما المكنة تخلص. الصبح ده المكنة كانت مطفية، ومفيش أي تايمر متظبط.
مرّ أسبوع كامل على الليلة اللي إيمان مشت فيها. في الأول، ماجد كان عايش في دور الراجل اللي مفيش حاجة تكسره، كان بينزل شركته في القرية الذكية بكامل أناقته، ويقعد في الاجتماعات يوزع أوامر وينهر الموظفين كالعادة، ورانيا الشافعي بقت بتظهر معاه علنًا كأنها خلاص قعدت مكان إيمان. بس من جواة، مكانش مرتاح. كل ما يدخل الفيلا بليل ويلاقي مكنة القهوة مطفية، والبيت مفيش فيه ريحة الأوكالبتوس اللي كان بيخنق منها زمان وبقى يدور عليها دلوقتي، كان بيحس بنغزة في قلبه. موبايل إيمان اتقفل تمامًا، وحساباتها البنكية اللي يعرفها ما اتمسش منها جنيه واحد. اختفت كأن الأرض انشقت وبلعتها.
في نص الأسبوع الثاني، ماجد كان قاعد في مكتبه بيمضي ورق، ودخل عليه
ماجد حس كأن حد ضربه قلم فوقه. ضحك بسخرية وقال: "إيمان مين؟ أنت اتهبلت؟ إيمان مراتي؟ دي كانت وِيتَر في شرم الشيخ لما اتجوزتها!". السكرتير ما نطقش وبص في الأرض. ماجد سابه وجري على قاعة الاجتماعات، فتح الباب بكل قوته وهو ناوي يبهدل الكل على الهزار البايخ ده. بس أول ما الباب اتفتح، رجله اتسمرت في مكانها.
ال قاعة كانت مليانة رجال أعمال أجانب ومصريين لابسين بديل رسمية، وفي صدر الترابيزة، كانت قاعدة إيمان. بس مكانتش إيمان اللي يعرفها؛ مكانتش الست الهادية اللي بتلبس لبس بسيط وبتوافق على كل كلامه وتستحمل قرفه. كانت ليدى بكل معنى الكلمة، لامة شعرها لفوق، ولابسة بدلة سودا فورمال غالية جدًا، وحاطة قدامها اللاب توب ونفس النوتة الجلد الصغيرة اللي أخدتها من الفيلا. وعلى يمينها المحامي الشهير لـ عيلة علوي في مصر.
إيمان بصتله ببرود تام، عنيها مكانش فيها غل ولا زعل،
ماجد عقله مكانش قادرا يستوعب. "دكتورة؟ وريثة؟ عيلة علوي؟ أنتِ كذبتِ عليا؟ كنتِ بتقولي إنك يتيمة ومعندكيش حد!". إيمان قفلت اللاب توب بتاعها بهدوء، وقامت وقفت بكل ثقة وطول. بصتله وقالت بصوت هادي ومسموع للكل: "أنا مأجبرتكش تصدق إني فقيرة يا ماجد. أنا لما قابلتك في شرم الشيخ، كنت بشتغل في المطعم بتاع الأوتيل بتاعي، أوتيل جدي، كجزء من تدريب عملي لرسالة الدكتوراه الثانية بتاعتي في إدارة الأعمال. أنت اللي شفت البنت البسيطة اللي بتشتغل بإيدها، فـ قررت في دماغك المريضة إني حتة وِيتَر غلبانة وجيت من مفيش، وعشان عقدة النقص اللي عندك، حبيت تعيش دور المنقذ الفارس اللي بيديها كل حاجة عشان تذلها بعد كده".
ماجد وشه بقى أحمر وعروقه برزت: "وليه ما قولتليش؟ ليه عشتِ معايا خمس سنين في كذبة؟". إيمان ابتسمت نص ابتسامة وقالت: "عشان كنت غبية.. عشان حبيتك بجد لدرجة إني قولت مش مهم يعرف ثروتي عشان نعيش حياة طبيعية وميحسش بنقص قدامي لإن شركتك وقتها كانت لسه بتبدأ وجدي مكانش موافق عليك. أنا اخترتك أنت وسيبت ورايا
المحامي بتاعها طلع ورقة وحطها قدام ماجد المذهول، وقال: "ودي ورقة دعوى الخلع اللي ارفعت عليك انهارده الصبح، وطبعًا الدكتورة إيمان متنازلة عن كل حقوقها المالية منك، لإن فلوسك كلها متجيش ثمن أسبوع واحد من أرباح مجموعتها".
ماجد حس إن الأرض بتلف بيه، وبص لـ إيمان برجاء لأول مرة في حياته، صوته اتهز وقال: "إيمان.. إحنا بينا خمس سنين.. أنا كنت متعصب ليلتها.. ورانيا دي مالهاش أي لزمة عندي.. أنا مستعد أطردها بره حياتي حالا". إيمان لبست نظارتها الشمسية، وأخدت شنطتها الجلد الماركة، وبصتله لآخر مرة وقالت: "المرة اللي فاتت يا ماجد، قولتلك إني مش هعمل مشهد. ودلوقتي بقولك.. اللعبة خلصت. شركتك من انهارده هتبدأ تنهار لإن السوق كله هيعرف إن مجموعة علوي قفلت الباب في وشك، والبنوك هتسحب التسهيلات".
سابته ومشت، ووراها الوفد كله خرج من القاعة. ماجد قعد على الكرسي وهو مش قادر يتنفس، وبص للورق اللي قدامه. في نفس اللحظة موبايله رن، كانت رانيا الشافعي بتعيط وبتقوله إن البنك حجز على أرصدة الشركة بسبب قضايا قديمة اتحركت فجأة من جهات سيادية غامضة.
قفل السكة في وشها وهو فاكر كلمته الأخيرة بثقة غبية: "هترجع.. مالهاش حتة تروحها". واكتشف إن هو اللي مبقاش ليه حتة يروحها، وإن "مراته الفقيرة" كانت هي السقف اللي حاميه من الدنا، ولما مشت، البيت كله وقع