مقطف حماتي حكايات زهرة

لمحة نيوز

مقطف حماتي حكايات زهرة
بعد ما أخو جوزي الكبير سافر، حماتي جات تعيش معانا في القاهرة، ومن يومها وأنا بشم ريحة غريبة تقلب البطن، ريحة زي ريحة التعفن الشديد بتخليني يوميًا أتقيأ، خصوصًا من السلة اللي جيباها معاها ورافضة أي حد يفتحها لو اتطبقت السما على الأرض!
أنا اسمي نيرمين، متجوزة وعندي بنت صغيرة عندها أربع سنين اسمها دارين. كنت عايشة مع جوزي أحمد حياة هادية ومستقرة في شقتنا القريبة من كورنيش روض الفرج. أحمد شغال محاسب، وهو الابن الأصغر لعيلة ريفية بسيطة من قرى الشرقية، وكانت والدته الحجة ست أبوها عايشة هناك في البلد مع أخوه الكبير محمود اللي كان قايم بطلباتها ومراعيها بعد ما حمايا توفى. كنا بنسافر لهم في الأعياد والمواسم، وكانت حماتي بالنسبالي ست طيبة وفي حالها.
لكن كل حاجة اتقلبت فجأة من أسبوعين. محمود جاتله فرصة سفر وعقد عمل في السعودية، سفرية مستعجلة مفيش وقت للتفكير فيها عشان يأمن مستقبله ومستقبل عياله. وطبعًا ماكانش ينفع الحجة تقعد لوحدها في بيت العيلة الكبير،

فكان الحل الوحيد إنها تيجي تعيش معانا هنا في القاهرة. رحبت بيها جدًا، وفتحت لها أوضة الصالون الكبيرة وفرشتها لها، وقلت دي بركة البيت.
وصلت حماتي في عربية بيجو سبعة راكب محملة شنط. نزلت وهي بتجر رجلها بالعافية، ووشها ناشف مفيش فيه أي تعبير. كانت جايبة معاها خيرات ربنا؛ شنط مليانة فطير مشلتت، وبيض بلدي، وبرطمانات مش، وزبدة من بتاعة الشرقية. لكن وسط الشنط دي كلها، كان فيه مقطف خوص ضخم، متقفل ومتربط بحبال دوبارة وقماش خيش تخين من كل زاوية، كأنها مخبية جواه دهب وياقوت.
شيلنا الشنط على المطبخ، لكن المقطف ده هي رفضت حد يلمسه، وشالته بنفسها وحطته في ركن الأوضة ورا الباب. في نفس اليوم بالليل، وإحنا قاعدين بنشرب الشاي، بنتي دارين اتسحبت بدافع الفضول ودخلت أوضة جدتها. قربت من المقطف وبدأت تشد في حبل من الحبال عشان تفتحه، وما لحقناش نفهم في إيه إلا على صرخة رعب من بنتي!
حماتي قامت من مكانها بنطة مرعبة ما تجيش مع سنها ولا تعب رجلها، وراحت زاقة البنت الصغيرة زقة ناشفة وعنيفة رمتها
على البلاط. البنت قعدت تصرخ من الوجع والخوف، وحماتي وقفت فوق راسها وعينيها بتطق شرار غريب عمري ما شفته وقالت بصوت يرعب

محدش يهوب ناحية المقطف ده.. المقطف ده بتاعي ومفيهوش حاجة تخص حد، واللي هيلمسه هقطع إيده!
الكلام نزل عليا زي الماية الساقعة. خطفت بنتي في حضني وأنا مذهولة، وأحمد قعد يهدي الموضوع ويقولي
معلش دي ست كبيرة، وتلاقيها شايلة فيه حاجتها القديمة من ريحة أبويا ومش عايزة عيل يبوظها.
لكن من ليلتها بدأ الكابوس الحقيقي اللي متمناهوش لعدو.
فيه ريحة غريبة وبشعة بدأت تظهر وتنتشر. في الأول قلت يمكن فار مات ورا الدولاب، أو مجاري المنور ضاربة. بس الريحة كانت طالعة بوضوح من أوضة حماتي، من المقطف ده بالذات. ريحة عفونة صعبة، رطبة وتكتم النفس، بتسرح من تحت الباب وتملى الشقة كلها. بقيت أصحى من أحلى نومة أجري على الحمام وبطني تتقلب، وأحمد بدأ يلاحظ بس كان بيكدب نفسه ويقولي
يا نيرمين دي تلاقيها ريحة مش قديم ولا جبنة قريش حمضت في الشنطة وأمي مش واخدة بالها.
في يوم ما
بقيتش قادرة أستحمل الريحة اللي خنقتنا أنا وبنتي، دخلت لها وقلت لها بنبرة هادية

يا حجة، الأوضة ريحتها بقت صعبة أوي والمقطف ده مطلع ريحة وحشة، تعالي نفتحه نشوف إيه الأكل اللي باظ جواه عشان نرميه وننضف مكانه.
لفت وشها ليا ببطء يقطع الخميرة من البيت. نظرتها دي عمري ما هنساها، عينيها كانت غاطسة لجوه، وبصوت خلى الدم يتجمد في عروقي قالتلي
ملكيش دعوة.. اللي جوه المقطف ده يخصني أنا وبس، ولو سألتي عليه تاني.. مش هتلومي إلا نفسك يا نيرمين!
الأنفاس بدأت تضيق في الشقة، والريحة بقت شبه ريحة الجثث، ولقيت هاموش أسود صغير بدأ يتجمع بكميات مقرفة على باب أوضتها. والأسوأ من كل ده إني كل ليلة أصحى على الساعة ٣ الفجر من صوت حك جامد في الأرض، صوت زي ما يكون حد بيجر حاجة تقيلة.
تاني يوم الصبح جه الفرج اللي كنت مستنياه برعب وشغف. أحمد نزل شغله، وحماتي جاها تليفون إن أختها اللي ساكنة في شبرا تعبت ونقلوها المستشفى، واضطرت تنزل بسرعة عشان تروح لها.
أول ما باب الشقة اتقفل وبقيت لوحدي أنا
وبنتي، عرفت إن دي فرصتي الأولى والأخيرة عشان أكشف السر.

تم نسخ الرابط