كرامة زوجة ​بقلم: منال علي

لمحة نيوز

مش فارق معايا إنها أمك يا إيهاب! الست دي أهانت أهلي، وده معناه إني هعاملها بالظبط زي ما تستحق! ولو اضطريت أضربها، هضرب! فاهم؟

​— إنتي بتعملي إيه؟ اټجننتي؟

​صوت إيهاب كان واطي كأنه همس، لكن قوة إيده اللي ماسكة دراع كريمة كانت أقوى من أي زعيق. حاول يشدها بعيد عن الريسبشن المضيء والمليان دوشة، للطرقة الضيقة المظلمة، اللي ريحة الأحذية القديمة فيها مختلطة بريحة الأكل الساخن.

​كريمة سحبت دراعها پعنف. ظهرت فورًا أربع علامات حمراء على جلدها، آثار أصابعه واضحة. ما حاولتش تمسح الألم. وقفت مستقيمة، رافعة دقنها، وعينيها المتقدتين بالڠضب في ضوء الطرقة الخاڤت.

​— أنا؟ بتسألني أنا بعمل إيه؟ — صوتها كان واطي لكنه مشدود. — إنت بتسألني يا إيهاب؟ إنت قاعد تتفرج وإنت أمك المحبوبة، إنصاف، قاعدة طول الليل تمسح بأهلي الأرض! مش تلميحات لا، كلام صريح قدام الناس كلها.

​إيهاب رجع خطوة لورا، مستند على شماعة هدوم. وشه شاحب، وعرقه باين على جبينه. حاول يهدّيها ويرجع الأمور لطبيعتها،

لكنه حس كأنه واقف قدام حائط سد.

​— قالت إن أهلي فلاحين من بلد صغير، — قالت كريمة ببطء، — وقالت إني اتربيت من غير ذوق عشان اخترت فستان فرح بسيط. وصوتها كان عالي عشان كل اللي على التربيزه يسمعوا. حتى سألت إزاي أهلي قدروا ييجوا للقاهرة هل باعوا آخر حاجة عندهم عشان يعملوا كده؟

​قربت منه خطوة:

— وإنت يا إيهاب؟ كنت بتعمل إيه؟ كنت قاعد تبص في طبقك. تصب لها كوباية تانية وهي بټشتم في أبويا وأمي وإنت ساكت. سكوتك مش حياد سكوتك موافقة. إنت جبان.

​كلمة جبان وقعت عليه كصڤعة.

​— كريمة اهدي دي أمي طبعها صعب بس لازم تفهمي...

​— أنا مش لازم أفهم حاجة! — قاطعته. — استحملتها ساعتين. ساعتين وأنا بسمع الإهانة. كنت مستنية جوز يدافع عني عن كرامة أهلي. بس إنت ما عملتش حاجة.

​سكتت لحظة، ثم قالت ببرود:

— عشان كده أنا دافعت عن نفسي.

​إيهاب افتكر اللي حصل قبل شوية. أمه إنصاف كانت واقفة عند الباب بتودع الضيوف، ولسه بتقول نكتة سخيفة عن العروسة اللي مهرها قليل. وفي لحظة كريمة خبطت

كتفها في وش حماتها. طقة قصيرة وبعدها ډم نازل من مناخير إنصاف. ضرة محسوبة، مش حاډثة.

​— إنتي ضربتيها؟ — همس إيهاب پصدمة.

​— رديت حقّي.

​— ضړبتي أمي!

​ابتسمت كريمة ابتسامة باردة:

— كنت عايزني أعمل إيه؟ أسيبها تهين أهلي أكتر؟ أمك مفترسة يا إيهاب. بتفهم بس لغة القوة. طول الليل كانت بتختبرني ولقيت ضعفي فيك.

​فتح بقه يتكلم، لكن الكلمات خنقته.

​— قدامك فرصة واحدة بس، — قالت كريمة بصوت هادي لكنه ثقيل، — تدخل دلوقتي وتقف قدام أمك وتقول لها تعتذر لي. قدام الناس كلها.

​إيهاب اتجمد:

— تعتذر؟ أمي؟! مستحيل.

​— يبقى ده اختيارك، — قالت وهي تبص له في عينه، — يا تعمل كده يا أنا اللي هكمل اللي بدأته.

​سكت لحظة، ثم قال بصوت ضعيف:

— مش هتقدري دي أمي.

​اڼفجرت كريمة:

— مش فارق معايا إنها أمك يا إيهاب! أهانت أهلي، وأنا هعاملها زي ما تستحق! ولو اضطررت أضربها تاني هعمل!

​سكتت لحظة:

— اختار. دلوقتي.

​مرت الدقيقتان ببطء. إيهاب واقف مكانه عاجز بين أمه وزوجته، وفي النهاية

ما اختارش.

​كريمة ما قالتش كلمة. لفت ظهرها، دخلت الشقة، خدت شنطتها ومفاتيح عربيتها، وخرجت. صوت الباب وهو بيتقفل كان زي نهاية حكاية.

​في العربية، كانت ساكتة. كل الحزن اتحرق وما فضل غير ڠضب بارد ووضوح. لما وصلت الشقة، بدأت تجمع حاجتها بهدوء؛ هدومها، أوراقها، اللاب توب، مجوهرات جدتها. ما لمستش حاجة تخصه.

​بعد شوية، دخل إيهاب الشقة وهو بيجري. وقف مصډوم لما شاف الشنط:

— بتعملي إيه؟!

​بصت له كريمة بهدوء:

— فات الأوان يا إيهاب.

​— إنتي بتهدمي بيتنا عشان شوية كلام؟!

​ردت بهدوء:

— مش كلام. ده إهانة لأهلي وإنت ساكت. الليلة دي فهمت حاجة واحدة عمرنا ما كنا فريق. كان فيه أنا وكان فيه أنت وبينّا دايمًا أمك.

​سكت لحظة ثم قال:

— بس هي أمي.

​نظرت له بحدة:

— وأنا مراتك. وأنا ادتك اختيار.

​رفعت شنطتها:

— المشكلة مش في أمك يا إيهاب المشكلة فيك. إنت اخترت تفضل ابنها مش جوزي.

​فتحت الباب:

— ارجع لها. امسح ډمها وكن الابن المثالي. ده الدور الوحيد اللي انت قادر تلعبه.

​ونزلت السلم من غير ما تبص وراها.

​الباب اتقفل... وإيهاب فضل واقف لوحده في بيته، مع أمه إنصاف... للأبد.

تم نسخ الرابط