كنت فاكرة إن مساعدة الأهل ما ينفعش تتحسب بالورقة والقلم

لمحة نيوز

فضلت ماسكة الورق بإيدي وأنا حاسة إن الدنيا كلها بتميد تحت رجلي. مها كانت قاعدة قدامي في أوضة الفندق، وعينيها مركزة في العقد كأنها بتحاول تستوعب حجم المصيبة.

قالت بهدوء:
— لازم تبلغي الشرطة فورًا.

لكن عقلي وقتها ماكنش مركز غير في حاجة واحدة… العملية.

بعد أقل من ٤٨ ساعة كنت داخلة أوضة العمليات، وجسمي كله مرهق وخايف، وفوق كل ده اكتشفت إن أختي اللي كنت بعتبرها بنتي الصغيرة تقريبًا زورت توقيعي وربطتني بقرض ممكن يدمر حياتي كلها.

الموبايل فضل يرن طول الليل.

رسائل من دينا، ورا بعضها.

“لو فاكرة إنك هتهربي تبقي غبية.”

“البنك هيلاحقك إنتِ.”

“أنا عملت كده عشانك أصلًا… الشقة دي كانت استثمار للعيلة.”

وفي الآخر رسالة طويلة كلها صراخ وشتايم وانتهت بجملة:
“إنتِ السبب في كل اللي أنا فيه.”

ضحكت وقتها ضحكة قصيرة رغم الوجع.

أنا السبب؟

أنا اللي دفعت.
أنا اللي تعبت.
أنا اللي فضلت شايلة البيت كله سنين.
وبرضه أنا السبب.

في صباح العملية، مها خدت مني كل الورق وقالت:
— ركزي في صحتك بس. وأنا هتصرف.

دخلت العمليات وأنا لأول مرة حاسة إني لو صحيت… حياتي لازم تبقى مختلفة بالكامل.

العملية استمرت سبع ساعات.

ولما فوقت، كان أول شيء شفته هو وش مها المرهق وهي بتبتسم.

— العملية نجحت.

غمضت عيني وبكيت.

مش من الألم…
من الإحساس إني لسه عايشة.

بعد يومين، وأنا لسه في المستشفى، دخل عليا راجل لابس بدلة رسمية ومعاه بطاقة تعريف.

— أستاذة ندى المصري؟

قلبي وقع.

— أيوه.

— أنا من الإدارة القانونية للبنك.

بصيت لمها بسرعة، لكنها كانت هادية بشكل غريب.

الراجل فتح ملف وقال:
— تم تقديم بلاغ رسمي بخصوص تزوير توقيعك في عقد الرهن العقاري، وإحنا محتاجين تأكيد لبعض التفاصيل.

بصيت لمها بدهشة.

ابتسمت وقالت:
— بلغت عن الموضوع وأنا مستنياكي تفوقي.

التحقيق بدأ فورًا.

الكاميرات في البنك أثبتت إن دينا حضرت وحدها يوم توقيع الأوراق.
الموظف اللي خلص الإجراءات اعترف إنها قالتله إن عندها “توكيل عائلي”.
والتوقيع لما اتعرض على خبير خطوط، أكد إنه مزور بالكامل.

لكن الصدمة الحقيقية جات بعد كده.

التحقيقات المالية

كشفت إن دينا ماكنتش بس بتصرف من الكارت الإضافي.

كانت بتاخد قروض صغيرة باسمي.
وتستخدم بياناتي في طلبات تمويل.
وحتى فاتورة موبايل فاخرة كانت متسجلة باسمي أنا.

كأنها كانت عايشة حياتها كلها فوق هويتي الشخصية.

أمي اتصلت بيا وهي بتعيط:
— أختك هتضيع يا ندى… اسحبي البلاغ.

فضلت ساكتة شوية.

ثم قلت بهدوء:
— وهي لما ضيعتني… حد وقفها؟

أمي ماعرفتش ترد.

بعد أسبوعين خرجت من المستشفى.

شعري كان خفيف، وجسمي ضعيف، والجرح لسه بيوجعني… لكن لأول مرة من سنين حسيت إني خفيفة من جوا.

رجعت الفندق لقيت رسالة جديدة من دينا.

“إنتِ مبسوطة دلوقتي؟ الشرطة جت البيت قدام الجيران.”

ما رديتش.

بعدها بساعتين بعتت:
“أنا أختك.”

وبرضه ما رديتش.

وفي نص الليل بعتت تسجيل صوتي وهي بتعيط:
— أنا كنت خايفة أخسر الشقة… كنت فاكرة إنك مش هتزعلي… إنتِ دايمًا بتسامحي…

قفلت التسجيل قبل ما يخلص.

لأول مرة فهمت إن بعض الناس بيتعاملوا مع طيبتك كأنها مورد مفتوح… مشاعر مجانية… فلوس مجانية… غفران مجاني.

ولما المورد ده يقفل،

يفتكروا إنك اتغيرت.

مع إن الحقيقة إنك أخيرًا فوقت.

بعد شهر بدأت جلسات العلاج الطبيعي.
ومعها بدأت أستعيد حياتي بالتدريج.

البنك شال اسمي رسميًا من أي مسؤولية بعد إثبات التزوير.
ودينا اتحول ملفها للنيابة.

أما الشقة…

فاتت عليها ٣ شهور بدون دفع الأقساط.

وفي يوم كنت قاعدة أشرب قهوة في البلكونة لما مها بصت في موبايلها وقالت:
— الشقة اتعرضت للبيع بالمزاد.

سكت شوية.

كنت متخيلة إني هفرح.
أو هحس بالانتصار.

لكن اللي حسيت بيه كان حاجة تانية خالص…

نهاية.

نهاية تعب طويل.
ونهاية نسخة قديمة مني كانت فاكرة إن الحب لازم يكون على حساب النفس.

بعدها بفترة، لقيت ظرف صغير متساب عند استقبال الفندق.

كان فيه مفتاح الشقة القديم.
ورسالة بخط دينا.

“أنا خسرت كل حاجة… بس يمكن أول مرة أفهم أنا عملت فيكي إيه. حقك عليا.”

بصيت للرسالة طويلًا.

ثم طويتها بهدوء.

وما اتصلتش.

مش لأن قلبي حجر…
لكن لأن بعض الكسور ما ينفعش ترجع زي الأول مهما حصل.

بعد ست شهور رجعت لشغلي.

استقبلوني بالورد.
وزمايلي عملوا حفلة

صغيرة عشاني.

وفي آخر اليوم، وأنا ماشية ناحية عربيتي، وقفت أبص للسماء لحظة.

كنت لسه بتعافى.
لسه في خوف جوايا.
ولسه آثار الجرح موجودة.

لكنني أخيرًا…
بقيت أختار نفسي.

تم نسخ الرابط