عشت حياتي كدبة

لمحة نيوز

كنت واقفة بنضف بالوعة المطبخ في مطعم فاتح ٢٤ ساعة، والساعة كانت ١١٥١ بالليل، الوقت اللي الدنيا فيه بتبقى فاضية إلا من سواقين النقل، والممرضين اللي شغالين نبطشيات، والناس اللي زيي اللي بيشتغلوا في مواعيد محدش يرضى بيها عشان الفواتير مبتستناش كرامة حد.
إيدي كانت كلها زيت قديم ومنظفات، وضلوعي وجعاني من كتر ما أنا منحنيه على الحوض الحديد. كنت هتجاهل رنة الموبايل، لأن أي إشعار بييجيلي آخر الليل غالبًا بيكون وراه مصيبة.
بس الموبايل رن تاني بإلحاح.
مسحت صوابعي في المريلة وطلعته من جيبي.
لقيت إشعار من جروب العيلة الجروب اللي أنا فيه من سنين، بس محدش بيفتكرني فيه إلا لو عايزين مني خدمة أو اعتذار أو يذكروني بمكاني.
الصورة فتحت ببطء على الشاشة المكسورة.
أبويا، حسام، واقف على يخت فخم، حاطط إيده حوالين مراته التانية نجلاء، والتانية رافع بيها كوباية عصير، وجنبهم ابنه كريم وبنته نور، لابسين لبس غالي

وبيضحكوا كأن الحياة معمولة ليهم.
وتحت الصورة مكتوب
العيلة أولاً.
فضلت باصة للصورة شوية.
مش عشان كنت مستنية عزومة أنا بطلت أستنى منهم حاجة من زمان. بس جوايا كان لسه فيه جزء صغير أهبل فاكر إن العيد السنة دي يمكن يبقى مختلف يمكن موت جدتي الحاجة فريدة من ست شهور يكون خلّى أبويا يفتكر إنه عنده بنت.
بس بعدها على طول نجلاء بعتتلي رسالة خاصة
متيجيش العيد يا ياسمين إحنا تعبنا من التمثيل إنك واحدة مننا.
الكلام كان بارد بطريقة توجع.
وبعد ثانيتين بالظبط ظهر إشعار تحت الرسالة
أبويا حط لايك.
لا عيطت ولا كسرت الموبايل ولا حتى صرخت.
بس وقفت مكاني، والزيت مغطي دراعاتي، وريحة القلي ماسكة في شعري، وبصيت لصورة ناس بيشاركوا معايا نفس الدم والاسم بس ولا فيهم ذرة وفا.
حسيت إن حاجة جوايا سكتت خالص.
مش راحة قد ما هي تلج بيغطي القلب واحدة واحدة.
٢٢ سنة وأنا بحاول أبقى جزء من الصورة دي.
اشتغلت شغلانتين وأنا بدرس
تمريض، وبعتلهم هدايا في المناسبات وهما بينسوا عيد ميلادي، وضحكت لما كريم كان يقولي بتاعة المطعم، واستحملت تلميحات نور على ريحة هدومي اللي كلها زيت وبصل محمر.
كنت دايمًا واقفة في تجمعات العيلة زي شماعة محدش فاكر يشيلها.
وفي الليلة دي نجلاء أخيرًا قالت بصوت واضح الحاجة اللي كلهم بيعملوها من سنين
إحنا خلاص مبقيناش محتاجين نمثل إنك تبعنا.
رجعت الموبايل جيبي وكملت شغل.
المدير كان مشي، والنيون بينور ويطفي فوق الكاونتر الفاضي، وسواق نقل نايم على نفسه وهو بيقلب الشاي، والفريزر بيطلع صوت كأنه موتور قديم بيموت.
وفجأة الموبايل رن تاني.
المرة دي مكالمة.
رقم مجهول.
بصيت للشاشة بتردد. الأرقام المجهولة في حياتي يا ديون، يا إيجار متأخر، يا مصيبة جديدة.
كنت هقفل بس التوقيت كان غريب.
الساعة كانت ١١٥٢.
بعد دقيقة واحدة بالظبط من رسالة مرات أبويا.
رديت
ألو؟
صوت راجل هادي وفخم قال
الآنسة ياسمين؟
أيوه.
قال
لفي
وراكي وبصي على الترابيزة رقم أربعة.
جسمي كله اتجمد.
لفيت ببطء ناحية الصالة.
المطعم كان شبه فاضي سواق النقل لسه مكانه، وست كبيرة قاعدة بتاكل قطعة بسبوسة بهدوء لكن على الترابيزة رقم أربعة كان فيه راجل واضح إنه مش شبه المكان.
لابس بدلة غالية جدًا، شعره الأبيض مترتب، وقاعد ماسك الموبايل وبيبصلي مباشرة.
قفلت المكالمة ومشيت ناحيته.
كل خطوة كنت حاسة فيها ببقع الزيت على هدومي أكتر، وبريحة القلي اللي ماسكة في جلدي، وبالتعب اللي تحت عيني.
وقفت قدامه وقلت
حضرتك مين؟
قال بهدوء
اقعدي يا ياسمين.
أنا سألت مين حضرتك.
قال
اسمي مراد السيوفي المحامي الخاص بجدتك الحاجة فريدة من أكتر من تلاتين سنة.
اسم جدتي خبطني جوايا.
الحاجة فريدة.
أبويا قالي بعد وفاتها إن مفيش حاجة اتبقت لا ورث ولا بيت ولا حتى دهب.
قال إنها ماتت وعليها مشاكل وديون، وإن الأفضل إني منبش في الموضوعش.
بصيت للمحامي وقلت
جدتي ماتت من ست شهور
وأبويا قال إن مفيش حاجة.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
والدك بيقول
تم نسخ الرابط