كرامتي المنسية.. بقلم منــال عـلـي
كرامتي المنسية.. بقلم منال علي
وعرفت فورًا دي السېجارة الرابعة اللي بيولعها ورا بعض.
يعني المرحلة الرابعة دخلت، ويبدأ العد التنازلي بالثواني.
حسام لف حوالين السفرة، وراح ناحية الشباك كأنه مخڼوق وعايز يفتحه ياخد نفس.
أمينة هانم بصتله بنظرة الست اللي داخلة معركة ومستنية الشرارة اللي تولع الدنيا.
مالك مكشر وقالب وشك كده يا حبيبي؟
قالتها وهي بتصب لنفسها عصير في الكوباية بإيد ثابتة.
شكلك اتنكدت من مراتك من بدري النهارده؟
كام واحدة من المعازيم ضحكوا ضحكة مكتومة ومتوترة عشان يجاملوها.
حسيت وقتها بضمّ في صدري وقلبي بدأ يدق بعنف لدرجة إني سامعة صوته.
يا أمي بلاش تبدأي أرجوكي.. مش وقته.
قالها كريم وهو أخيرًا بيرفع عينه من شاشة الموبايل.
أبدأ إيه بس يا واد؟
قالتها أمينة هانم وهي بتستعبط وعاملة نفسها بريئة.
أنا بقول كلمة حق. الست هي واجهة بيتها وجوزها مش كده ولا أنا غلطانة يا نادية؟
بصتلي مباشرة في عيني.. النظرة دي أنا حافظاها صم، النظرة اللي معناها وريني هتردي عليا وتقولي إيه قدام الناس.
وفجأة عم سعيد اتدخل وهو بيعدل نظارته
خلاص يا جماعة صلوا على النبي.. الليلة ليلة عيد ميلاد، بلاش كلام يضايق ويعكر الدم.
عليه الصلاة والسلام يا عم سعيد.
قالتها أمينة هانم بابتسامة كلها سم.
بس بصراحة يعني كل مناسبة ونادية قاعدة وسطنا زي الضيفة الغريبة. لا حس ولا روح، ولا حتى شكل ست بيت تشرف.
في اللحظة دي بالذات فيه حاجة جوايا انكسرت ومبقتش باقية على حاجة.
الخوف اللي كنت عايشة بيه ومړعوپة منه سنين فجأة اتقلب لغضب وطاقة وعناد.
حطيت الشوكة من إيدي
أصل محدش في البيت ده إداني فرصة من الأول أكون ست بيت أصلًا.
الصالة كلها سكتت فجأة.. حتى نفس الناس كتموه.
أمينة هانم وشها اتقلب وألوانه خطفت.
نعم؟! إنتي بتقولي إيه يا بت إنتي؟
بقول الحقيقة اللي ساكتة عليها ومستحملاها بقالي اتنين وعشرين سنة.
حسام لف ناحيتي بسرعة الصاروخ.
عينيه كانت زايغة تمامًا، ومبرقة بشر يخوف.
أنا عارفة النظرة دي كويس.. دي اللحظة اللي بتسبق الكارثة بثانية.
اخرسي خالص.. اقطعي لسانك.
قالها بصوت واطي وبارد وبيهدد.
لا مش هخرس.
قولتها بثبات وقوة غريبة حتى أنا نفسي اتفاجئت بيها.
المرة دي مش هسكت تاني أبدًا.
أمينة هانم قامت بسرعة من على كرسيها ووشها جاب ألوان.
يا حسام اقعد.. اهدى الناس بتتفرج علينا والفضايح هتوصل للشارع!
ما يتفرجوا! غوري في داهية!
صرخ فيها فجأة بصوت هز الحيطة.
وفي ثانية.. كانت إيده نازلة على وشي بقلم طير الدنيا من حواليا.
كل حاجة حصلت كأنها بالحركة البطيئة..
كوباية العصير وقعت واتشظت على الأرض مية حتة.
واحدة من جاراتها شهقت وحطت إيدها على بوقها.
نور صوتت وعيطت بصوت عالي وهي مرعوبة.
وكريم قام من مكانه مفزوع وبيحاول يحجز أبوه.
أما أنا ففضلت واقفة مكاني في ثبات غريب.
زي ما كنت بتخيل الموقف ده بالظبط ألف مرة في دماغي طول ال سنة اللي فاتوا.
الموبايل كان في جيب عبايتي البيت الأنيقة.
طلعت الموبايل.. وفتحت على منى 2.
ضغطت اتصال على طول وشغلته سبيكر.
ألو.. النجدة؟ لو سمحتم.. شقة الأستاذ حسام الشرقاوي في الدور الثالث.. فيه حالة اعتداء وضرب وعنف أسري شغال
الدقايق اللي بعد المكالمة دي كانت تقيلة وبتمر كأنها سنين.
حسام كان رايح جاي في الصالة زي الديب الأسير بعصبية ويركل في الكراسي، وأمينة هانم عمالة تشد في هدومه وتحاول تهديه، لكنه مكانش سامع ولا شايف حد وعينه بتطلع شرار.
وأنا حاطة إيدي على خدي اللي بدأ يسخن ويولع نار من أثر الضربة، وببص من شباك
الريسبشن.
ليل شتا القاهرة البارد ومطر خفيف بينزل على الإسفلت تحت.
ولأول مرة في حياتي حسيت إن دقات الانتظار دي هي طوق النجاة الوحيد ليا.
بعد 11 دقيقة بالظبط..
جرس الباب رن بعنف وقوة.
والباب اتفتح..
دخل اتنين ظباط شرطة بالبدلة الميري، ملامحهم حاسمة وجادة.
فين الأستاذ حسام الشرقاوي؟
قالها واحد منهم بثبات.
حضرتك مطلوب معانا في القسم حالًا.
حسام اتلخبط ووشه جاب مية لون، وبص لأمه بنظرة عيل صغير مستنيها تخلص له الحوار وتنقذه كالعادة.
لكن أمينة هانم المرة دي كانت مذهولة وساكتة تمامًا من الصدمة.
شفايفها بس اللي كانت بتهتز وهي بتقول بنبرة مكسورة
يا ابني...
صوت الكلبشات الحديد وهو بيقفل على إيده وعمل تكة كان هادي، لكن التكة دي قسمت حياتي نصين.. نص انتهى ونص بدأ.
نور كانت بتعيط وتترعش في الزاوية.
كريم واقف مصدوم ومبرق كأنه تمثال من حجر.
والمعازيم بيبصوا لبعض في خزي ومش عارفين يلموا نفسهم ويمشوا إزاي.
أما أنا فكنت قاعدة في مكاني المعتاد في آخر السفرة.
لا كنت فرحانة وشمتانة،
ولا حاسة إني مكسورة ومتهانة.
بس كان فيه حالة صمت وسلام غريبة وجميلة جوايا.
راحة بال وعزة نفس أول مرة أحس بيها من سنين طويلة.
ولما الباب اتقفل وراهم، والظباط خدوه ونزلوا..
أخدت نفس عميق جدًا ملّى الصدر.
يمكن ده أول نفس حقيقي ونظيف أخرجه من يوم ما اتجوزت.
يا نادية..
قالتها أمينة هانم بصوت مرعوب ومهزوز لأول مرة من يوم ما عرفتها.
عملتي كده ليه وخربتي بيتك وفضحتينا؟
قمت ببطء وثقة وبعدت الكرسي لورا.
وبصيت لها في عينها مباشرة من غير خوف.
عشان أخيرًا تفهموا إني لحم ودم وموجودة.. وإن ليا كرامة تتداس برقابكم كلكم.
الصالة كانت هادية هدوء مرعب شبه المقابر.
حتى صوت دقات الساعة المعلقة في الصالة كان مسموع.
لبست الجاكيت بتاعي، ومسكت شنطة إيدي، ومشيت بثبات ناحية الباب.
ومن ورا ضهري كانت همسات وجرجرة الضيوف شغالة، كأنها صدى سنين طويلة ضاعت واتهدرِت من عمري في المكان ده.
نزلت الشارع.
الهوا كان ساقع وتلج لكنه كان نظيف ومنعش وبيغسل الروح.
وقفت لحظة في نص الرصيف، ورفعت راسي للسما واخدت نفس طويل.
ولأول مرة من سنين حسيت بطعم الحرية بجد.
بعدها ب أيام..
كنت قاعدة في صالة شقة منى صاحبتي.
قدامي كوباية ينسون دافية وبتطلع دخان، وعلى الترابيزة قدامنا محضر رسمي مختوم بختم النسر.
المحضر اللي أخيرًا اتكتب فيه حقي واسمي أنا.. نادية.
منى بصتلي بهدوء وابتسامة تشجيع وقالت
جاهزة يا نادية للخطوة الجاية؟
ابتسمت لأول مرة من قلبي وبصدق.
أيوه يا منى.. دلوقتي أنا بقيت جاهزة فعلًا، ومفيش أي حاجة تكسرني.
ولأول مرة في حياتي كلها..
ماكنتش خايفة من بكرة.
لا خايفة من حسام وتهديده،
ولا خايفة من نظرة المجتمع والوحدة،
ولا حتى خايفة من الصمت وسكوت الشقة.
كأن الدنيا أخيرًا قررت تفتح لي صفحة
من غير خوف،
من غير إهانة وضرب،
من غير وجع يكسر النفس..
بس بصوت كرامتي ونفسي أنا.