عاد رجل الأعمال السعودي إلى قصره ليطرد العاملة البسيطة… لكن ما سمعه من ابنه الصامت خلف الباب جعله ينهار باكيًا
عاد رجل الأعمال السعودي إلى قصره ليطرد العاملة البسيطة لكن ما سمعه من ابنه الصامت خلف الباب جعله ينهار باكيًا
كانت ساعة الحائط، وهي بندول قديم من خشب الماهوغني مستورد من سويسرا، تعدّ الثواني بدقة تكاد تكون مؤلمة.
تك تاك تك تاك
وكان كل خفقة منها يتردد في البهو الرخامي الهائل لقصر أبو خالد العتيبي في الرياض، كما لو أنه نبض قلب معدني بارد.
بالنسبة لأبو خالد، كان ذلك الصوت هو الموسيقى التصويرية لنجاحه، وفي الوقت نفسه نشيد وحدته.
كان أبو خالد من ذلك الطراز من الرجال الذي تعشق مجلات الأعمال وضعه على أغلفتها متقن الهيئة، صاحب رؤية، لا يلين.
لقد بنى إمبراطورية لوجستية من العدم، محولًا أسطول شاحنات صغيرًا ورثه إلى عملاق عابر للخليج والدول العربية.
كانت ثروته لا تُحصى، وممتلكاته تمتد عبر عدة دول، واسمه يفتح أبوابًا تبقى موصدة في وجه سائر البشر.
لكنه كان يعرف، في ليالي الأرق، أنه أفقر رجل في العالم.
كان لفقره اسم ووجه خالد، ابنه ذو السنوات السبع.
كان خالد طفلًا ذا جمال هش، بعينين واسعتين داكنتين تشبهان عيني أمه، تلك التي توفيت على نحو مأساوي بعد الولادة بوقت قصير.
وقد حولت تلك الخسارة قلب أبو خالد إلى حجر.
اندفع إلى العمل بعنف هوسي، مقتنعًا بأن تكديس الثروة هو السبيل الوحيد لحماية الشيء الوحيد الذي بقي له.
غير أنه، في
لم يكن خالد يتكلم.
وعندما بلغ الثالثة، بدأ الأطباء يستخدمون مصطلحات سريرية تأخر في النمو، صمت انتقائي، صدمة عاطفية عميقة.
وعند الخامسة، جاءت التشخيصات أشد قتامة.
كان الطفل يعيش محبوسًا داخل فقاعة من الصمت، منفصلًا عن الواقع، لا ينطق بكلمة، ولا يطلب تواصلًا بصريًا، ولا يتفاعل مع مثيرات عالم كان بالنسبة إليه عدائيًا وصاخبًا.
تحول القصر إلى ما يشبه عيادة فاخرة.
استقدم أبو خالد أمهر المختصين من أوروبا وأمريكا علماء نفس سلوكيين، وأخصائيي نطق، ومربيات يحملن درجات دكتوراه في التربية الطفولية.
كانوا جميعًا يتناوبون على البيت بمناهجهم وجداول تقييمهم ووعودهم.
وكانوا جميعًا، بلا استثناء، يفشلون.
ظل خالد غير مبالٍ، جالسًا في ركنه المفضل، يحدق في الغبار وهو يرقص داخل أشعة الضوء، غافلًا عن جهود أولئك الغرباء الذين حاولوا إصلاحه كما لو كان آلة معطلة.
وأبو خالد، وقد أعياه انعدام النتائج، كان يصرف المختصين بالبرود نفسه الذي يصرف به مديرًا تنفيذيًا فاشلًا.
وكان يقول وهو يوقع شيكات التسوية دون أن ينظر في وجه أحد
إن لم يستطيعوا أن يجعلوه يتكلم، فلا نفع لي بهم.
بلغ تبدل العاملين حدًا لم يعد معه أبو خالد يتكلف حتى حفظ أسماء المربيات
إلى أن جاءت أم ناصر.
لم تكن أم ناصر تملك سيرة ذاتية مطبوعة على
ولم تكن تحمل شهادات عليا ولا توصيات من عائلات معروفة.
كانت امرأة سعودية في منتصف العمر، عريضة الكتفين، خشنة اليدين، صقلتهما سنوات العمل الشاق.
جاءت إلى القصر بناءً على توصية الطاهية لتساعد في تنظيف السجاد تنظيفًا عميقًا، لكن القدر تدخل.
فقد استقالت آخر مربية خبيرة في ذلك الصباح نفسه، وهي تصرخ بأن الطفل مقلق وأن البيت يشبه القبور.
وكان لدى أبو خالد سفر عاجل إلى دبي ذلك المساء، ولم تكن لديه خيارات كثيرة.
نظر إلى أم ناصر وهي تفرك أرضية الممر.
وقال لها بفظاظة وهو يتفقد ساعته
تعرفين رعاية الأطفال؟
رفعت أم ناصر رأسها، ومسحت جبينها بظهر يدها.
كانت نظرتها صافية بلا خوف.
وقالت بهدوء
ربيت أربعة يا طويل العمر وستة أحفاد. وكلهم بخير والحمد لله.
لم يكن لدى أبو خالد وقت للمقابلات.
قال فورًا
اعتبري نفسكِ معيّنة. مهمتك الوحيدة أن يأكل الولد، ويلبس، وما يؤذي نفسه. لا تحاولين تعلمينه شيء، ولا تضيّعين وقتك بالكتب أو الألعاب التعليمية. الأطباء يقولون إنه ما يستوعب الأشياء المعقدة. راقبيه فقط. وأنا راجع بعد أسبوع.
وهكذا بدأت إقامة أم ناصر داخل القصر.
خلال الأشهر الأولى، بالكاد لاحظ أبو خالد وجودها.
كانت كالشبح الكفء.
البيت نظيف.
وخالد يأكل ويلبس على نحو مرتب حين يعود أبو خالد متأخرًا ليلًا.
لكن كان هناك شيء مختلف.
هواء
وأحيانًا، وهو يمر في الممر، كان أبو خالد يشم روائح لا يتذكرها
رائحة معمول.
وحليب بالهيل.
وخزامى طازجة.
أشياء تشبه رائحة البيت لا رائحة المطهرات الصناعية.
لكن تشاؤمه منعه من السؤال.
وكان يقول في نفسه
طالما أنها لا تسبب مشاكل فالأمور بخير.
لكن الشك بذرة وما إن تُزرع حتى تنمو بسرعة.
في صباح يوم ثلاثاء، كان أبو خالد داخل مكتبه في الطابق الأربعين، وسط مفاوضات شرسة للاستحواذ على شركة فنادق كبرى.
اهتز هاتفه الشخصي.
كانت المتصلة شقيقته نورة، الوحيدة التي تجرؤ على الاتصال به أثناء الاجتماعات.
كانت نورة قد مرت بالقصر لتأخذ بعض المجوهرات من الخزنة.
قالت بصوت مشدود جعل الدم يتجمد في عروق أخيها
أبو خالد لازم ترجع البيت حالًا.
رد بحدة
نورة أنا بأهم اجتماع بالشركة. وش صار؟ احترق البيت؟
قالت بسرعة
لا الموضوع عن هذي الحرمة أم ناصر. وخالد. دخلت عليهم بدون ما أحد يدري وأقسم بالله اللي شفته مو طبيعي. ما أعرف وش تسوي بولدك، لكنه مو أي شيء قالوا عنه الأطباء. أحسها مستغلة غيابك. لازم تشوف بعينك قبل يفوت الأوان.
أغلق أبو خالد الهاتف فورًا.
اختفى الاجتماع.
واختفت الملايين.
واختفى صوت المحامين.
ولم يبقَ في رأسه سوى صورة واحدة
خالد الصغير ضحية امرأة غريبة أدخلها هو بنفسه إلى البيت
ضربه الذنب كالمطرقة.
ماذا لو كانت تؤذيه؟
ماذا لو كانت تهمله؟
ماذا