سر يدمر امبراطورية غني
ملأت نغمات "ضوء القمر" الانسيابية أرجاء القاعة ذات السقف المرتفع، وانسابت مثل أشعة القمر فوق الحاضرين الذين تملكهم الذهول. تبددت الرعشة من أصابعي، وحلت محلها قوة جارفة نابعة من الأعماق. لم أكن أعزف الموسيقى فحسب، بل كنت أصب في هذا البيانو كل قطرة من إحباطي، وأحلامي المكسورة، وتحديَّ الكامن في نفسي. تعالت الميلودية المؤثرة، لتردد صداها بين أعمدة مطعم "النافور"، فارضةً صمتاً تاماً على القاعة بأكملها.
نظرتُ خاطفةً نحو ممدوح، فإذ بالابتسامة الساخرة قد اختفت تماماً عن وجهه. تجمدت كأسه في منتصف الطريق إلى فمه، واتسعت عيناه ذهولاً بعد أن جُرِّد من كل غروره. كان الصمت بين النغمات مشحوناً بنظرات الإعجاب المباغتة من جميع الحاضرين في المطعم. وعندما تلاشت النغمة الرقيقة الأخيرة في الهواء، استمر السكون للحظة من الصمت المطلق، قبل أن تنفجر القاعة فجأة بتصفيق حار من الجميع وهم واقفون.
تعالت صيحات الإعجاب، بينما ظل ممدوح متصلباً في مكانه، وعلامات الانكسار واضحة على وجهه الذي كستْه حمرة الخجل والارتباك الشديد. نهضتُ، وانحنيتُ في أدب، ثم عدتُ إلى طاولته لأقدم له الفاتورة.
قلتُ له بنبرة واضحة وثابتة: "لم يكن الأمر يوماً يتعلق بإثبات أي شيء لك يا سيد ممدوح. موسيقاي تحمل غاية وهدفاً، أما أنت فلا تملك سوى المال".
لم يقو حتى على النظر
استوقفني رجل مسن أنيق، يرتدي حلة رمادية داكنة صُممت بعناية. قال لي وهو يناولني بطاقة عمل سوداء أنيقة: "عزف مذهل، أنا يوسف زاهر، منتج موسيقي، وأبحث حالياً عن مواهب جديدة لصالح شركة إنتاج كبرى. كنت أتناول العشاء في الجانب الخلفي من القاعة. لمستكِ على المفاتيح استثنائية يا فاطمة، وأود أن تسافري معي الأسبوع المقبل لتسجيل عمل احترافي".
حبستُ أنفاسي من شدة المفاجأة. هل سأسجل عملاً احترافياً؟ كان هذا كل ما تمنيته يوماً.
لكن بينما كان يوسف يبتسم لي، ظهر ممدوح جلال فجأة بجانبنا، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة مظلمة ومليئة بالغل. همس ممدوح بصوت يرتجف من حقد غريب: "لا توقّعي معه أي شيء يا فتاة. يوسف زاهر مخادع. وإذا خطوتِ خطوة واحدة خارج هذا المطعم معه، فلن تخسري مدخراتكِ التي جمعتِها من أجل معهد الموسيقى فحسب، بل ستجرين تاريخ عائلتكِ بأكملها في الوحل. اسألي يوسف من الذي طرد والدتكِ حقاً من عالم الفن قبل عشرين عاماً".
شعرت وكأن القاعة تدور بي. نظرتُ من نظرة ممدوح الخبيثة إلى وجه يوسف الذي شحب فجأة واعتراه شعور بالذنب. وأطبق على صدري
أصبح الجو بيننا نحن الثلاثة شديد البرودة. نظرتُ إلى يوسف زاهر وقلبي يخفق بشدة، وسألته بصوت مرتعش: "عن ماذا يتحدث؟ هل كنت تعرف أمي؟"
تنهد يوسف تنهيدة طويلة وعميقة، وتلاشت ملامح الثقة التي يتسم بها كبار المنتجين، لتظهر مكانها لوعة حزن دفين. واعترف بصوت خافت متجاهلاً نظرة النصر على وجه ممدوح: "نعم يا فاطمة. والدتكِ، إلهام، كانت أبرع عازفة بيانو عرفتها في حياتي. قبل عشرين عاماً، كنا نعمل معاً على ألبومها الأول. لكن والد ممدوح كان يملك شركة الإنتاج آنذاك. وعندما رفضت والدتكِ محاولاته للتقرب منها، استغلت عائلة جلال ثروتها ونفوذها الواسع لوضعها في القائمة السوداء، وتدمير سمعتها، وسرقة حقوق مؤلفاتها الموسيقية الأصلية، بل ومنعوها قانونياً من العزف بشكل احترافي مجدداً".
ترقرقت الدموع في عيني وأنا أستوعب الحقيقة المرة. اعتزال أمي المفاجئ، وحياتها الهادئة المليئة بالكفاح، وتحذيراتها المستمرة لي بألا أسمح لأي شخص بأن يقلل من شأني... لم تكن مجرد نصائح عابرة، بل كانت درساً في البقاء صيغ من رحم ألمها الخاص.
قال ممدوح ساخراً وهو يتقدم خطوة للأمام، ظناً منه أنه ما زال يمسك بزمام الأمور: "والآن تعود الابنة لتكمل الأغنية! أنا لا أزال أملك حقوق تلك المؤلفات يا زاهر. إذا سجلتْ نغمة واحدة مع شركتك،
رد يوسف مستعيداً نبرته القوية الحازمة: "لا يا ممدوح، لن تفعل ذلك". وأخرج هاتفه مستعرضاً تسجيلاً حياً: "أترى؟ عندما بدأت في مضايقة فاطمة منذ قليل، عرفت وجهها فوراً، فهي تشبه إلهام تماماً. لذلك بدأت بالتسجيل. لقد وثقتُ تهديداتك، واعترافك بالابتزاز واستغلال النفوذ الآن. في زماننا هذا، لم يعد المجتمع يتسامح مع أصحاب الملايين الذين يستغلون نفوذهم لتدمير حياة الشابات. إذا حاولت فقط المساس بمستقبل فاطمة المهني، سينتشر هذا الفيديو كالنار في الهشيم، وستهوي أسهم شركتك إلى الحضيض غداً صباحاً".
شحب وجه ممدوح تماماً، ونظر إلى الهاتف، ثم التفت إلى رواد المطعم الذين صاروا ينظرون إليه باحتقار شديد. أدرك أنه حوصر تماماً، ودون أن ينبس ببنت شفة، استدار وأسرع مغادراً المطعم وهو يجر أذيال الخيبة والمهانة.
التفت يوسف نحوي وابتسم ابتسامة دافئة وصادقة قائلاً: "موسيقى والدتكِ ملك للعالم يا فاطمة، وموهبتكِ لا غبار عليها. لنبدأ العمل ولنعِد إليها حقها".
غمرني شعور عميق بالسلام والانتصار. لقد بدأتُ الليلة كعاملة بسيطة لا تملك سنداً، ولكن بوقوفي بثبات وثقتي في شغفي، استطعت أن أكسر لعنة طاردت عائلتي لسنوات. إن كرامتي وقيمتي ملك لي وحدي، ولا يمكن لأي مال في العالم أن